لم أقابل مستثمراً في سوق الأسهم السعودية إلا وبدت في حديثه لهجة الثقة والفوز ومعرفة مالا يعرفه أحد. والأدهى من هذا أن جميعهم يعتقد أنه اكتشف "نظاما" أو "معادلة" تضمن له الفوز والربح (وعدم تكرار غلطة فبراير 2006)..
وهذا الغرور الذهني - إن جاز التعبير- هو ما يغذي أسواق الأسهم بالمتداولين، وفنادق مونت كارلو بالمقامرين، ومكائن لاس فيغاس بالباحثين عن الثراء .. فنحن - ببساطة - لا نتعلم الدرس أبدا لسببين أزليين :
- الأول قناعتنا بالنتائج والاستنتاجات التي نتوصل إليها بأنفسنا (وبالتالي لا نتصور خطأها أو وجود بديل لها) !
أما الثاني فاستعدادنا لمعاودة الكرة لمرتين وثلاث وأربع (...) طمعا في تعويض الخسارة واستعادة المفقود !
... وبهذا الخصوص لا يوجد فرق كبير بين صغار المتداولين وكبار المستثمرين - ولا حتى بين المقامرين وأي جهة علمية وأكاديمية رصينة - .. فالجميع يعتقد أنه على الطريق الصحيح، والجميع يتمسك برأيه ويدافع عن "نظامه" حتى في حالة التراجع والخسارة .. وليس أدل على هذا من الأحاديث والأخبار المكررة حول اكتشاف "نظام" أو "معادلة" تتنبأ بمستقبل الأسواق أو نتائج المقامرات أو حتى فرص الفوز بالبطولات ...
فقبل أيام مثلا أعلنت جامعة تايوان للعلوم التطبيقية عن وضع معادلات رياضية تسمح بالتنبؤ بوضع أي شركة- في المستقبل وما إن كانت ستنجح أو ستفشل بعد سنوات .. والغريب أن هذه المعادلات لم تستنبط فقط من نماذج الشركات الأقدم في السوق ؛ بل وأيضا من قوانين الغابة والحيوانات المفترسة حيث البقاء للأقوى والأكثر صمودا ومرونة !!
ومثل هذه الادعاءات لا تقتصر فقط على عالم المال والأعمال بل وتلاحظ أيضا في عالم الرياضة والبطولات الدولية .. فقبل كل بطولة لكأس العالم تظهر نبوءات وتوقعات - بل ومعادلات رياضية - لتخمين نتائج المباريات وجنسية البطل القادم .. وتعد الفترة التي تسبق هذه المنافسات فرصة ذهبية للمنجمين والعلماء - على حد سواء - لإثبات مهاراتهم في توقع النتائج والتنبؤ بالأحداث القادمة .. ففي المونديال الأخير مثلا ادعت 42جهة "محترمة" نبوءات مختلفة بخصوص نتائج الأدوار النهائية للبطولة ؛ فقد أعلن مثلا قسم الرياضيات في جامعة ألستر عن توقعه فوز إيطاليا بكأس العالم (وهو ماحدث فعلا). وكان رئيس القسم الدكتور دونج هوو قد زود كمبيوتر الجامعة المركزي بمباريات الدورات السابقة وبالترتيب الذي يضعه الفيفا لافضل فرق العالم بالاضافة إلى عدد المشاهير لكل منتخب والمسافة التي تفصل بين بلد الفريق والمدينة المستضيفة ووو. وفي النهاية "دار الكمبيوتر ولف" ورشح إيطاليا للفوز على فرنسا (بدل ألمانيا) في حين وضع البرازيل ثالثا واسبانيا رابعا !!!
.. أما بالنسبة لشخصي المتواضع ؛ فإن الشيء الوحيد المؤكد هو امتلاكنا عقولا متشابهة تتخذ من نفسها محورا ومقياسا لكل شيء .. فحين تتبنى عقولنا أي رأي أو فكرة سرعان ما تعتبرها القرار الصائب والوحيد وتتخذها "أنموذجا" ومقياسا لكافة الأفكار المشابهة .. ولأنها نابعة من ذاتنا لا يصعب وضعها في أول اللائحة ( فضلا عن الاعتراف بخطئها أو التخلي عنها لصالح رأي مختلف أو طرف مقابل) ... وهذه الحقيقة وحدها تكفي لشرح سر الثقة التي تميز كل من يملك سلطة القرار سواء كان وزيرا أو مديرا أو حتى رئيس طباخين ..
فهو مثل الجميع يثق برأيه (ومعادلاته) ولكنه الوحيد الذي أتيحت له فرصة تطبيقه بالقوة ... فلماذا لا يفعل!!؟