في نهاية العام المنصرم نشرت صحيفة "الرياض" حادثة وإن بدت ذات تفاصيل قد تبدو للبعض تقليدية ومكررة وسبق أن اصطدموا بمثلها، أو سمعوا بها دون أن تنشرها الصحف، إلا أنها في واقع الأمر تحتاج إلى توقف، وإلى تفكير جدي وحقيقي بعيداً عن ممارسة أسلوب التقفيل الذي دائماً ما نلوذ به، ونحتمي بجدرانه.
حكاية ذات ملامح مخيفة وتدعو إلى التأمل والتوقف كونها ترتبط بالنسق الاجتماعي الذي ينبغي أن لا يشهد مرحلة تجميد لكوارثه، أو أن يتم التعامل معها من خلال تفسيرات وتبريرات متعددة، ترتكز في النهاية إلى أننا لسنا المقصودين، وان الشر لم يطلنا.
حادثة بدأت تفاصيلها في محافظة ينبع وانتهت في المدينة المنورة حينما كان يترقب (صاحب الظن السيئ) مواطناً برفقة زوجته التي دلف معها إلى إحدى الاستراحات على طريق الشرم حيث قرر الزوجان قضاء بعض أيام العطلة هناك وما هي إلا دقائق حتى طُرق الباب عليهما بشدة وعندما فتح المواطن الباب فوجئ بأن الشخص يطلب منه أن يشاركه الجلسة مع المرأة التي بصحبته، متهماً إياهما بأنهما مجرد عشيقين سنحت لهما الفرصة ليلتقيا في هذا المكان. لم يكمل سيئ الظن كلامه حتى سدد له المواطن عدة لكمات، وطعنات جعلته يسقط أرضاً، مما جعل الزوجة المفجوعة تتصل بالجهات الأمنية التي طوقت الاستراحة ونقلت المصاب إلى المستشفى، وبدأت بالتحقيق مع المواطن وزوجته ثم التحقيق مع المصاب الذي تلقى عدة طعنات غائرة في صدره وظهره واستدعت حالته أن ينقل إلى مستشفى الملك فهد بالمدينة المنورة.
ثم طرح المحرر في نهاية الخبر، بأن المصاب والمعتدي (الشكاك) ربما يواجه حكماً قضائياً جراء اعتدائه على المواطن وزوجته.
بودي قبل أن أطرح الحادثة الأخرى أن أستفسر: كيف يُحقق مع المواطن وزوجته؟ ومن نصّب هذا الشخص مراقباً لكل رجل وامرأة يعبران في سيارتهما أو يذهبان إلى استراحة بعيدة هرباً من هموم المدينة وضغطها؟
ولماذا لا تنزل به عقوبة صارمة وتنشر في الصحيفة الرسمية حتى يتعظ غيره من الأوصياء الجدد من منطلق أنه لحماية الفضيلة كما يفعل غيره وليس للمشاركة في الرذيلة على اعتبار انها موجودة فعلاً.
الحادثة الثانية وقعت في جنوب المملكة منذ أشهر حيث أخذ رجل زوجته في مدينة صامطة إلى خارج العمران، ربما يفك عنها، ويستمتعان بنزهة بعيدة عن الزحمة والناس، وبمجرد أن غادر المدينة حتى طارده شابان واتصلا بالهيئة للابلاغ عن وجود رجل يحمل امرأة في سيارته ويغادر بها بعيداً ليختلي معها.. لم تصل الهيئة في لحظتها، ولكن حاصر الشابان المبلغان الرجل وزوجته التي سقطت مغمى عليها بعد أن أخرجت من السيارة بالقوة نظراً لإصابتها بمرض السكر وظلت في حالة إغماء والشابان يستمتعان بالمشهد اللا إنساني والكارثي، والزوج يدافع عن نفسه، ويحلف انها زوجته ويحاول أن يتصل بأخيه وأفراد أسرته لإنقاذه من الكارثة.
المهم بعدها نقلت المرأة إلى المستشفى وبدأت الوساطات والاعتذارات للرجل من أهالي الشابين للعفو والسماح وهم أبناء مدينة واحدة ومؤكدين أن هؤلاء شباب غر وحريص على الفضيلة وينبغي أن نفرح بهم ونساعدهم على ذلك لا أن نغضب منهم، ونكتنز كل حكاياتهم لنشرها أمام الآخرين.
الحكاية الثالثة وإن كانت حقيقية ومريرة ومجرّمة بحكم القانون، إلا أنها تعكس أننا جميعاً تحولنا إلى مجتمع أفراده أوصياء على بعضهم، بوصاية أغلبها يظل مرتبطاً بسوء الظن.
امرأة في جدة لاحظت أن جارها أخذ زوجته إلى أهلها، ثم بعد ذلك أحضر امرأة أخرى إلى الشقة وظل معها، وبعد أن استوفت المرأة شروط المراقبة (علماً أنها لا تشتغل في برج مراقبة ولكن قد يرد قارئ ويقول انها تعمل في برج مراقبة الفضيلة والمحافظة على القيم) وحيثيات التأكد اتصلت بالجهات المسؤولة والهيئة وأبلغت عن الحادثة وتم القبض على الرجل والمرأة.
قبض على الرجل وهو يستحق جراء امتهانه لزوجته، وارتكابه الجرم المشهود، ولكن ألم يكن من الأولى أن تتصل بزوجته أولاً وتبلغها بما يجري في منزلها، وتعرف ردود فعلها وهي حريصة على معالجة مشكلتها مع زوجها وتغاضيها عن خيانته؟ أم أنها تتفق معهاه في الإبلاغ؟ أليس حرياً بها لو تركت زوجها، يدق بابه لينصحه، ويعطيه فرصة التوبة وعدم العودة إلى الخطأ مرة أخرى؟ ويعلمه أنه يسيء إلى العمارة وقاطنيها بما يفعله؟
ومع اختلاف ظروف الحادثتين الأولى والثانية عن الثالثة كونها حقيقية أريد أن أطرح وأناقش في الحلقات القادمة ما يتعلق بالأوصياء الجدد على الفضيلة، أو العقول أو مصادرة الحريات، أو حتى سلوكيات الآخرين، من منطلق أننا كلنا داخل هذه الدائرة ولسنا بعيدين عن التأثير والتأثر، بل على العكس حتى من برأ نفسه فهو قد يسيء الظن دون أن يشعر..
(يتبع في الحلقة القادمة)