بحث



الخميس 18 ربيع الآخر 1429هـ - 24أبريل 2008م - العدد 14549

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


ايقاع الحرف
حلوة الجوف

ناصر الحجيلان
    منظر النخيل في منطقة الجوف من المناظر الساحرة التي قلّما يجدها المرء إلا في أماكن مشابهة للجوف في بيئتها وفي نخيلها. وحينما يتحدث المرء عن تجربة شخصية فمن البديهي القول بأن تلك التجربة مرتبطة بالمكوّن الثقافي للشخص وبتفاصيل الخبرة التي اكتسبها في حياته وبالتثقيف الذي انعكس عليه من خلال تعامله مع معطيات البيئة أو البيئات التي يمرّ بها، فهي بمجموعها تكوّن رؤيته للعالم وتتحكم في تحديد معايير ذوقه وتؤطر النسق الفكري الذي تنبع منه نظرته للقيم الأخلاقية ومنها قيمة الجمال.

هذه المقدمة تفيد في تفسير ميل بعض الناس نحو طعام معين دون غيره، أو شغفهم بمنظر ربما لايهم غيرهم، أو انشداه أسماعهم بإيقاعٍ موسيقي قد لايلفت انتباه آخرين، أو ابتهاجهم بسلوك أو لهجة أو طقس أو عادة من المحتمل أنها قد لا تبهج غيرهم بالقدر العاطفي نفسه. وهذه مقدمة ثانية الهدف منها توضيح قيمة النخلة عند العرب مقارنة بغيرهم من الأمم الأخرى، والكشف عن القيمة الجمالية والعاطفية في النخلة بشكل عام ونخلة الحلوة بشكل خاص عند أهلها في الجوف أو في حائل، وهما المنطقتان المشهورتان بهذه النخلة من بين مناطق المملكة الأخرى بسبب تشابه البيئة بين المكانين: في المناخ وفي التربة الزراعية وفي عذوبة الماء.

على أن تقدير النخلة يختلف عند الناس باختلاف طبقاتهم الاجتماعية أو اختلاف مهنهم؛ فالبدوي له تقدير معين للنخلة يختلف فيه عن الحضري، وتقديرها عند المزارع يختلف عنه عند التاجر، وتقدير النساء للنخلة يختلف عنه عند الرجال بالنظر إلى الجدوى، والأمر نفسه يمكن ملاحظته بين كبار السن ممن غرسوا النخلة ورعوها بأنفسهم منذ أن كانت "جثيثة" (فسيلة صغيرة) حتى نمت وكبرت وأنتجت وبين الشباب الذين وجدوا النخلة مكتملة أمامهم. وهذه نقطة يمكن أخذها بعين الاعتبار عند الحديث عن ثقافة النخلة في المجتمع السعودي.

تختلف نخلة الحلوة عن بقية النخيل في أن لها خصائص خاصة يمكن تسميتها "طبائع" يعرفها فقط الفلاح الخبير، وثمرها يختلف بحسب عمرها، فالبلح يصلح من الحلوة الصغيرة والتمر من الكبيرة. واستهلاكها للماء له مواصفات دقيقة فلايصلح معها إغداق الماء ولا تقتيره، وإنما تحتاج إلى مقدار معين بحسب ارتفاعها عن الأرض وعمرها وبحسب ملوحة الماء وعذوبته وحسب المناخ والفصل، وحسب حالتها إن كانت منتجة في هذا العام أم غير منتجة. ولها سماد معين يعرفه الفلاحون ويضعونه بمقدار ولوقت محدد وفي زمن يعقب موسم "الجَدَاد" حينما تُجنى ثمارها كلها. أما العسب فإن قصّ الكم المناسب منه يخضع كذلك لحذق، فلا يقطع كل العسب الأخضر ولا يترك كله، وإنما يترك ما يحيط بالقلب على شكل دائرة، وفي الغالب فإن الفلاح يعرف كيف يبقي العسب التي لاتزال قادرة على رفع نفسها نحو الأعلى وليست تلك التي بدأت تنحني نحو الأرض، في سبيل الحفاظ على توزيع الغذاء على القلب والحفاظ على قوّة النخلة لكي تنتج في الموسم القادم.

وبعض الفلاحين يرأفون بالحلوة ولا يكلفونها الإنتاج كل عام، فيعفونها عامًا إثر عام وربما زادوا على ذلك إن لم تدفعهم الحاجة، فإذا أنتجت يُخلّصونها مبكرًا من الإنتاج منذ بداية طلوع "الكافُر" بضم الفاء أي بداية ظهور (البراعم)، لكي لا تُستنزف فلا تجود بتمرها -بالدرجة نفسها- من الحلاوة والكمية. ويعرف الفلاح الماهر القدر المناسب من اللقاح (المسمى بالبار) الذي يضعه في عذوقها ويعرف الوقت المناسب لذلك والكيفية الملائمة لتعديل عذوق النخل وجعلها تتكئ على العسب حينما تثقل بالبلح، ومدى استعداد الحلوة لكي يلتقط منها البلح قبل أن يتحول إلى تمر من عدمه. فالحلوة حينما ترتفع وتكبر في العمر يصبح مزاجها صعبًا، فلا يصلح أن يقطف منها بعض الأعذاق وتترك البقية أو يلتقط منها البلح المتمر ويترك غيره، لأن المتروك لن ينمو ومن المحتمل أن يتحوّل إلى بلح مرّ أو تمر غير ناضج. وهذه المعرفة بطبيعة النخلة مقصورة على الفلاحين دون غيرهم. وربما يندهش البعض حينما يعلمون أن نخلة الحلوة بقدر ماهي كريمة وسخيّة في إنتاجها عالي الجودة إلا أنها في الوقت نفسه ليست مهيأة للانقياد لمن لا يحسن التعامل معها، فلو خدش جذعها أو رُبط عذقها بخوصٍ غير خوصها أو تُرك العُسب متهدلا أو حُرمت من الشمس أو وُضع عليها سماد كثير أو جُرف حوضها بطريقة آذت جذورها لربما توقّفت عن الإنتاج حتى يأتي من يعتني بها.

وقد شهدت منظر حلوة الجوف قبل فترة قليلة حينما كنت في زيارة إلى دومة الجندل، وبقدر ما راعني جمالها الساحر، فقد فجّر منظرها في ذاكرتي صورة بهيّة لحلوة حائل التي أعرفها في طفولتي حق المعرفة ولها في نفسي مكانة كبيرة. وليست الذاكرة مقصورة على الصورة وإنما على مايحيط بتلك الصورة من مواقف وتجارب تمثل ثقافة خاصة لاتزال حاضرة في ذهني؛ فعندما كنت في أمريكا، كانت تلك الثقافة فاعلة في المقارنة مع نخيل فلوريدا ومع التمور السوداء كبيرة الحجم معدومة الطعم التي تباع في الأسواق. أما بالنسبة للنخلة ذاتها بصرف النظر عن إنتاجها فقد كانت ولا تزال ملهمة للشعراء والفنانين، ومن يتأمل الشعر العراقي الحديث يجد أن النخلة عنصر أساسي ضمن مكوّنات بناء المشهد الحيّ كما هي في قصيدة الجواهري التي يتغنى فيها بالنخلة وبسعفها الطويل:

سلام على هضبات العراق

وشطيه والجرف والمنحنى

على النخل ذي السعفات الطوال

على سيد الشجر المقتنى

وتبرز النخلة عند بدر شاكر السيّاب على أنها كيان حيّ غير منفصل عن الإنسان كما في قصيدته "أنشودة المطر"، التي جعل فيها العين غابة نخيل بما تحيل إليه تلك الغابة من بعد مكاني وزماني وسواد حسّي متّصل. إضافة إلى ما تحويه غابة النخيل من تداخل في العناصر التي تكتشف تدريجيًا مع زيادة التأمل، وكأنها عين بشرية مليئة بالأسرار التي تتجلى بالقراءة الاستنطاقية المتفحصة. وهنا تتداخل العين وغابة النخيل معًا، فتحيل الغابة إلى العطاء في الثمر والظل والماء والراحة باعتبار النخلة رمز الخير والجمال، وتحيل العين إلى تجارب التاريخ المخزّنة في ذلك البؤبؤ الذي تتسابق مشاهده للعبور وسط النخيل.

12 تعليق
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


الله يعطيك العافيه يااستاذ ناصر الحجيلان.على التقرير الموجز عن النخله وعن حلوة الجوف...على راسي والله ؟

حطاب ابن سراح الشمري راعي الجوف يذكر في احد ابياته حنينه لحلوة الجوف :
واليوم تمر القسب عندي طريفة
من عقب ما ناكل مذانب حلانا

و مذانب حلانا المقصود فيها حلوة الجوف , تمره المشهور
النخل بسكاكا :
ابن سياط الشمري : هناك نخلة في الجوف تعرف باسم ( السياطيّة ) وهي أول نخلة زرعها في سكاكا وعرفت باسمه لأنه زرعها بيده ومن مزاياها أنها أول مايستوي من النخل بالصيف.


تركي مدو زاهد الشلاقي
ابلاغ
09:04 صباحاً 2008/04/24

 


مقالة رائعة علمية وممتعة وأدبية، وكل هذه الأشياء اجتمعت فيها..
فلله درك ودر قلمك النابض
أحببت فقط أن أقول لك شكرا من الاعماق


أبو موضي
ابلاغ
09:22 صباحاً 2008/04/24

 


النخلة هي أميرة الشجر
والحلوة هي أميرة النخيل
وأنت أمير البيان وسيد الكلمات
كأنك تكتب شعرا وأنت تكتب
وكأنك تعرف الحلوة معرفة الخبير اللبيب
فنفع الله بك ووفقك


حمدان الشمري
ابلاغ
09:26 صباحاً 2008/04/24

 


اشكرك على هذا المقال الرائع
بصراحه زرت الجوف وخصوصا دومة الجندل مره واحده في حياتي
فوجدتها من اجمل المناطق التي زرتها في العالم
واهلة من اضافوا الى روعتها


فيصل
ابلاغ
09:30 صباحاً 2008/04/24

 


مرحبا بالاستاذ الحجيلان , شكرا لك مرة أخرى على حكر المقال على هذه الحلوة الفريده , وهي أميرة الحقل فعلا حينما تراها منفرده في موضع متقدم بين مثيلاتها من ألاخريات !!! كانت الحلوة ولم تزل هي هدية الفلاح التي يستطيع أهدائها ويضمن تقبلها من الجميع نظرا للاحترام الذي يكنه الكثير من الناس لهذه الجميله !!! ولذلك يندر وجودها في مراكز البيع ومعارض التمور التجاريه ويتم تداولها فقط بين ألاصدقاء وألاقارب كهديه ثمينه لاتقدر بثمن !!! شكرا لك أخي ناصر لأعطاء هذه الحلوة حقها من الضوء , والسلام...!!!


فضل الشمري
ابلاغ
09:58 صباحاً 2008/04/24

 


شكرا على المقال ذو المعلومات الجيدة.


أبو عبدالمحسن
ابلاغ
10:08 صباحاً 2008/04/24

 


حلوة الجوف هي نخلة مباركة ولذيذة وتشفي من بعض الامراض وتقي من برد الشتاء القارس كما يقال..


أبو ريم
ابلاغ
12:43 مساءً 2008/04/24

 


النخلة تمثل الام في الثقافة العربية
وهناك شعر كثير وادب كتب عن النخلة
وليس فقط شعراء العراق هم من اهتم بالنخلة وذكرها في شعرهم
وشكرا


salim
ابلاغ
12:58 مساءً 2008/04/24

 


لا أعتبر نفسي مولعة بالتمر لكن الوضع مختلف مع حلوة الجوف فهي تفرض احتراما من نوع خاص، وأنا سعيدة للفرصة التي عرفتني عليها. شكرا على المقال الجميل من كاتب جميل وفكر جميل. تحياتي للجميع ولجريدة الرياض البهية.


مها
ابلاغ
02:48 مساءً 2008/04/24

 10 


نخلتي
قصيدة رائعة لشاعر شامي نسيت اسمه
ياليت تتحفنا بها لتكون ضمن بقية القصائد التي ركزت على النخلة
ولك الشكر


salim
ابلاغ
02:49 مساءً 2008/04/24

 11 


مقالك شوقنا لزيارة الجوف..والتمتع بمناظره الخلابة
لكن تظل مشكلة السكن والمواصلات ومايحتاجه السائح
فأين أنتم يامسؤولي السياحة..نريد رؤية أرجاء الوطن


مكسورة الجناح
ابلاغ
06:00 مساءً 2008/04/24

 12 


الحلوة على اسمها حلوة ولذيذة
وهناك من هو احلى من هذه الحلوة
وهو قلمك الجميل
تحياتي
وشكرا


أبو أحمد
ابلاغ
07:12 مساءً 2008/04/24


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية