تأتي الحالة الإبداعية مخاتلة في تسللها إلى ذات المبدع الذي يكون قد تهيأ لها عن طريق داخلي يقسره في لاوعيه فيجيء طوعاً لتلقي الإملاء الذي يأتي في تموجات تعلو وتهبط تبعاً للانفعال المتابع للحالة الموازية التي كانت هي المؤشر على وجود ما يمكن أن يشي بتحرك نحو عمل يكون للمشارك فيه نصيب يحدد البعد الذي يستطيع من خلاله الوصول إلى الآخر عن طريق التعبير بالوسيلة التي يمتلكها صاحب العمل، ولهذا سُبل عدة تكمن في ذات المعطي الذي هو خاضع أبداً لحالة الإملاء الذي تتأتى من واقع يكون أحياناً أشبه بالحلم، فكيف تكون الحال إذا ما كان العمل من موقع أقرب إلى كينونة الحدث الذي يُمكِّن من تصميم إطار عام يستوعب كامل الصور التي استطاع المبدع أن يلتقطها من زوايا مختلفة من شأنها أن تعطي كافة الملامح بالتفصيل وعن قرب، فتبدو إلى المعاين والمتلقي وكأنها هي الغاية،أو هي قرب إلى التكامل بفعل قرب المقرر من مكان القرار.
فما ذهب إليه كاتب رواية (اختلاس) هاني نقشبندي كان يعني أن العمل المتماس مع عملية الإبداع يكون صورة للتفاعل الفني في تمازجه مع الواقع مما يضفي سمةَ وظلالَ ما يشبه السيرة/ المذكرات في قالب سردي مشوق يحدو إلى المتابعة لاستقصاء الحدث الذي يجيء في تسلسل حكائي يتكئ على عناصر من تفاعلات الحياة وما يتقاطع معها من أحداث واقعية يعانقها الخيال في شغف لكي تكون جاذبة وجذَّابة في الآن، ولا يستطيع ذلك إلا من كان متمكناً من أداته الفنية أولاً والتي ترتكز أساساتها على الثقافة والدربة في توظيف المخزون بحرفية متكاملة الأبعاد (ممارسة تجريبية وقراءة مستوعبة)، وقد جاءت (اختلاس) من واقع عمل مبدعها كمسؤول عن تحرير مجلة نسائية خبر الكثير بحكم التجربة العملية، وككاتب همّه توسيع إطاره المعرفي بالمتابعة والاطلاع في فنه المحبب، وقد كان التوفيق حليفه في تصوير ما يشبه الواقع وقد يكون من الواقع عينه مع الرتوش الخيالية التي تكوِّن الجماليات في السرديات التي تشد وتعطي مفاتيح لآمال ومتطلبات قد تكون في مواجهة مع المقابل من أجل إثبات الوجود، وقد يكون التوقيت قد تأخر وتحتم إنجازه، وربما تكون بمثابة التمهيد للشروع بالخطو نحو كون داعٍ إلى المشاركة بالتفاعل والفعل، وقد كان الهاجس هو ما كان في رسائل الشخصية الرئيسة في الرواية (سارة) التي كانت عنها وعن حالها وعن مثيلاتها من الصديقات، وكيف كانت الشخصية الأخرى المتفاعلة من الجانب الآخر (هشام)، حيث كان التفاعل المشترك بين كاتبة وناشر في توسع وتكاتف حتى صار التمازج بين الأمل والعمل من أجل التكامل.
لقد اختلس النقشبندي الأحداث ووضع كل صورة في مكانها بوضوح حتى كونت إضافة مهمة في الرواية السعودية الناشطة في الساحة الثقافية العربية في هذا الآن الذي فتح بابه لها وتركه مشرعاً.
الرواية صادرة عن دار الساقي لبنان