بحث



الخميس 18 ربيع الآخر 1429هـ - 24أبريل 2008م - العدد 14549

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


القبيلة والمجتمع: لغة الصمت

د. عبدالله محمد الغذامي
    (فيما بعد أوضح لي خالد أن الشيخ يفرض احترام الآخرين له بالصمت، بصمته المهيب، إذ يعد الصمت دليل ذكاء وفهم ألغاز الدنيا. وإذا بحثت أمور ذات شأن عظيم يوماً في المجلس فإن الشيخ المسؤول عن قيادة قبيلته في أوقات الشدة يثبت نفسه رجلاً قليل الكلام. إنه يستمع وكوعه على المسند فيما تداعب أصابعه حبات السبحة مستغرقاً في تفكير عميق. الكل يفهم أنه يفتل ويبرم، أي أنه يعقد حبلاً فكرياً، وبهذه الطريقة يتوصل إلى قرار لا رجعة فيه بمعونة الفهم الصحيح، فهؤلاء رجال شامخون كالجبال الراسخة في الأرض، صخور من الثبات والقوة بين عامة الناس - البدوي الأخير ص 57).

هذ ما ينقله مارسيل كوبر شوك عن شيوخ البدو وهو ما تؤكده لغة الصحراء، حيث الصمت هو النص المطلق، وأنت لا تفهم الصحراء إلا عبر تفكيك صمتها الذي هو من أقوى ما تتقنه الرمال في سحباتها اللامتناهية، وكم قتلت الصحراء من أقوام جهلوا سر صمتها، ومن صمتها تعلمت الكائنات البشرية التي تعيش فيها، والكائن الصامت يظل قوة سرية لا تتكشف إلا في لحظة النطق ومن دواعي الحفاظ على اللغز البشري يكون الصمت، حيث لحظة النطق هي لحظة الكشف الأخير، وإذا ما حدث أمر جلل فإن التداول في الأمر يقتضي الأخذ والرد وليس من كرامة الشيخ أن يسقط كلامه وسط الردود والمداولات لذا فإنه يصمت حتى تحين لحظة الكلمة القاطعة التي تكون عادة هي فكرة مرت ودارت على ألسنة المتحدثين منتظرة من الشيخ أن يلتقطها بعين نسر صياد وفتاك، وهي نوع مبكر من العصف الذهني الذي صار اليوم مصطلحاً في علم إدارة الأزمات، وقد كان كذلك عند كل من عصرته الأزمات وواجه الخطر المحتدم.

حينما كنا صغاراً كنا نطرب لمشاهدة البدو في الأسواق وكلما تقابل بدويان مصادفة في أحد شوارع المدينة تقوم بينهما محادثة صامتة، أسميها صامتة لأنها تقوم على ألغاز متعمدة حيث يبدأ اللقاء بالعناق، ثم يبدأ كل واحد من الاثنين يسأل صاحبه: وشلونك، كيف أنت، ويظل يرددها مرة ومرتين وعشراً وأكثر، ورفيقه يفعل الفعل نفسه ويظل كل منهما يردد: وشلونك، كيف أنت وش علومكم.. وشلون الربع؟

وتستمر الأسئلة ولا جواب. وتظل المداورة الكلامية ونحن نشاهد ونرقب ونتعجب على اللاجواب، ولقد صار من ديدننا ترقب مثل هذا الموقف حيث نشاهد صمت اللغة ولا لغوية اللغة. ونشاهد خرير الأسئلة ولا أجوبة عليها.

ذلك مشهد لثقافة الصمت وحفظ السر، وسيكون الجواب هنا فضحاً للذات وكشفاً لها، وإذا تكشفت الذات تعرت وصارت في العراء، بينما الصمت حماية وحصانة، ولقد كان من طبع البدو ألا يسألوا الضيف الطارئ عن اسمه ولا عن خبره، ويسمونه بتسمية تغطي وجوده بينهم، وهي: ضيف الرحمن، ويخاطبونه بهذه الصفة، ولا يدفعونه إلى كشف سره، إلا لو قرر هو البوح وكشف نفسه لهم. وما عدا ذلك فإن من آداب الضيافة وخلق المعاملة الحفاظ على حق الضيف في تحصين نفسه واسمه والتدرع بالصمت.

الصمت درع وحصانة ومن تخلى عن درعه صار مكشوف الصدر للسهام ولذا قالوا: من ألف فقد استهدف، لأن التأليف كشف لما في الضمير وبوح بالرأي وإفصاح عن المستور مما يجعل صاحبه هدفاً بما أنه مكشوف ومعلن وكأنما هو شارة للتهديف، وهذا ما يحصل فعلاً مع أي كاتب يضع نفسه على الورق ويكشف عن مطويه.

في هذا النوع من الثقافة يصبح الصمت ميزة ومعنى ثقافياً سامياً وأنت في حل ثقافي في أن تخفي وتضمر، بل إن هذا ميزة ثقافية وشارة وجاهة ورفعة، وكلما أخفيت فإنك تحرس مقامك، وهذا ليس من النفاق، كما يقول الشيخ خالد، فالنفاق في رأيه يكون في الدين فحسب، أما في سائر شؤون الحياة فإن التكتم وإخفاء النية هو من أصول السلوك، وكما ينقل كوربر شوك فإن البدوي يرى التستر والتمويه وسيلتين طبيعيتين للبقاء - ص 66).

والواقع أن الحياة ببعديها الاقتصادي والسياسي وحتى العلمي - كشأن البحوث العلمية - لا تقوم إلا بشرطي التستر والتمويه إلى أن يحين وقت المكاشفة، وهو ما يسمى علمياً ببراءة الاختراع أو حقوق الملكية، وهذا قانون بشري شامل، ولئن كان في الأصل فطرياً وطبيعياً فإن المدينة قد جعلته قانوناً منهجياً وشرطاً وظيفياً، حتى صار جزءاً من وثيقة العمل وأسرار الدولة ويتحتم النطق بالقسم عليه.

في كل مرة نمعن فيها بقراءة الظاهرة البدوية نكتشف أن النسق البشري واحد في كل صيغه القيم منها والحديث، البدوي والحضري، ولقد صرخ مرة جورج ستينر، في كتابه (نحويات الابتكار - 4) بعد أن لاحظ أن العنف والاضطهاد والاستعباد الاقتصادي واللامعقولية الاجتماعية هي خصائص تاريخية سواء في زمن القبيلة أو في زمن المدينة الكبرى، سواء بسواء ولا تختلف سوى الوسيلة ولن نجد فارقاً بين فتك امرئ القيس بقتلة أبيه وفتك جورج دبليو بوش بخصومه الذين يرى أنهم قتلوا أبويه الرمزيين، أعني برجي نيويورك.

وفي معنى الصمت أذكر أن الحملة الانتخابية لجيمي كارتر في سعبينات القرن الماضي كانت تقوم على محاربة الكذب السياسي وبعد تسلمه الرئاسة تبين له أنه لا يستطيع أن يكون سياسياً وصادقاً في آن، وأنقذه مستشاره أندرو يانج حيث شرح الموقف قائلاً إنك تستطيع أن تخفي وأن تمتنع عن قول كل ما تعلم دون أن تكذب، أي أن لا تصدق ولا تكذب، وذلك لكي تكون سياسياً وحصيفاً، وهذا بالضبط هو ما نقله كوربر شوك عن البدو حيث ميزوا بين النفاق الذي هو عيب في الدين وبين التمويه والتستر الذي هو شرط للبقاء.

يأتي الصمت بوصفه لغة بين لغتين هما لغة الثرثرة ولغة العي، فالثرثار عامي وسوقي والعيي جاهل وقاصر، أما الشيخ فهو الذي يسمع أكثر ويستقبل أكثر وإذا نطق صار نطقه قراراً وحكماً، هذا هو معنى الصمت الصحراوي كشأن الصحراء التي يستنطقها سقوط المطر وتستحيلها أخيلة الشعراء والقصاصين وقراء الأثر، فتكشف للمطر ولهم أسرارها، ولكنها تتأبى أن تفصح عن نفسها إلا لمن يفهمها ويقدر خباياها.

15 تعليق
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


وسع صدرك !!
يوصف بدو الحجاز بالمدي القصير وسرعة الانفعال ويوصف بدو نجد وعامتهم بسعة الصدر ويتميزون بالصبر والصمت ويرون سبب ذلك بيئة الجبال وضيق دروبها
في الحجاز وسعة الصحراء في نجد فكان لذلك اثر في السلوك
تصمت الصحراء صمتا مخيفا وفي الليل عندما تهب الرياح فهي تعوي كعواء الذئب
وويل من هجيرها وقحطها وجدبها (صمتها)
ولكن
عندما ينزل المطر وترتوي فخيرها كثير وتشبع الجميع
وكما تنبت الشيح والعرار فانها تنبت الغضا
وكذلك العظماء


ابو جهاد
ابلاغ
07:00 صباحاً 2008/04/24

 


مرحبا بالدكتور القدير الغذامي , صفحه جميله من واقعنا وقد وصفتها بهذا السيناريو الجميل والنادر !!! وتبقى هذه الصحارى وتلك (النفد) لاتغادر مخيلتنا بكل صورها وكل تجلياتها حيث الغدر والعطاء والجفاء وأحيانا ألامان !!! شكرا لك أستاذ عبدالله لهذا التعريج الزاهي وشكرا لك على تعريفنا بكتاب البدوي ألاخير كقراءه وأقتطاف شيئا منه يروق لذائقتنا جميعا !!! أجمل ألاماني لكم , والسلام...!!!


فضل الشمري
ابلاغ
10:17 صباحاً 2008/04/24

 


أضحكتني يا دكتور..( ثقافة الصمت).... باعتقادي أن ثقافة الصمت أفضل من ثقافة الثرثرة. الشخص الوقور المتزن في كلامه وتصرفاته يفرض على الجميع احترامه وهو من يتكلم عندما يدرك أنه يجب أن يتكلم ولا يثرثر ليخبر الناس أنه يملك لسانا" سليطا"... أو يثرثر ليستعرض عضلات لسانه ولتبيان ثقافته التي اكتسبها من خلال القراءة أي أنه ناقل ولم يكتسبها من خلال التجارب... يقال أن فلان بن فلنتان ظاهرة صوتية... أي أنه فقط يجيد فن الكلام ولا يجيد سواه.. والصمت أحيانا" يكون رمزا" للحياء والأخلاق الرفيعة.. وشكرا"


فهد الشمري
ابلاغ
10:21 صباحاً 2008/04/24

 


تحية طيبة للأستاذ الدكتور الغذامي من يعايش الحياة الأولية أي حياة البادية أو الريف يجدها منظمة مثل خلية النمل بالفطرة تغذيها تعاليم الاسلامية في المجتمع المسلم فديننا دين الفطرة و لعل مما أمسكوه في عاداتهم من السنة النبوية المطهرة هي امساك اللسان و الكلام بحساب و بأدب و ذلك بالتأسي بالحديث الشريف الذي يقول بما معناه و هل يكب الناس على وجوههم الا حصائد ألسنتهم فالتروي و التعقل بالاحكام تجدها من صفات هذه المجتمعات و أولى بها كبراء القوم و مثلهم اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب هذا ولكم الشكر


د. حميدة درويش
ابلاغ
10:40 صباحاً 2008/04/24

 


الدكتور عبدالله دائما مبدع وله خاصية البوح بالمكنون


سليمان الدرسوني
ابلاغ
12:00 مساءً 2008/04/24

 


بارك الله فيك يا عالمنا الجليل، ها أنت أمضيت جل وقتك بالكتابة عن البدو وعن كشف اسرارهم وكشف سر وجودهم وكيف يمكن التعامل معهم طوال السنوات الثلاث الماضية.
في يوم من الأيام وقفت أمام خادم الحرمين الملك عبدالله حفظة الله ودافعت بكل شجاعة عن فئة غالية علينا من بني جلدتنا تشكل 3إلى 4% من مجتمعنا، وهاهي تأخذ حقوقها كاملة في كل المجالات الوظيفية والتنموية (من مجلس الوزراء إلى السفراء إلى مجلس الشورى إلى البعثات والدراسات وغيرها)
يتبع


أبو عبدالرحمن الشافعي
ابلاغ
12:14 مساءً 2008/04/24

 


لا أدري ما مغزى كتاباتك هذه عن البدو سوى الاستشفاء والنقد الغير هادف لمجموعة تشكل اكثر من 80% من مجتمعك. وبدل ان تكتب في ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية وما يتعرضون له من أنتشار للمخدرات والاسلحة والجدريمة بأنواعها و إبعاد وإقصاء عن التنمية والتطوير والتحديث والتعليم والإبتعاث، هاأنت توسع الفجوه بينهم وبين المجيتمع بدل ردمها.


أبو عبدالرحمن الشافعي
ابلاغ
12:15 مساءً 2008/04/24

 


طيب المثل الذي يقول : ( ياكثر حكي البدو قال : من كثر ترداده ) الا يعني ذلك الثرثرة ؟


عبدالعزيز
ابلاغ
01:40 مساءً 2008/04/24

 


(الشيخ فهو الذي يسمع أكثر ويستقبل أكثر وإذا نطق صار نطقه قراراً وحكماً، هذا هو معنى الصمت الصحراوي كشأن الصحراء التي يستنطقها سقوط المطر وتستحيلها أخيلة الشعراء والقصاصين وقراء الأثر، فتكشف للمطر ولهم أسرارها، ولكنها تتأبى أن تفصح عن نفسها إلا لمن يفهمها ويقدر خباياها.)
رائع جدا ولعل من فوائد الصمت مراجعة الكلام قبل نطقه حتى لا يندم عليه ,, مبدع ونتلهف للمزيد..


صدى الذكرى
ابلاغ
02:20 مساءً 2008/04/24

 10 


تتراقص رمال صحرائنا صحراء النفود عقب انسياب نسائم عليلة تمر مرور كرام يتميزون بحياء مفرط فيتراءى حسنها من كل صوب وحدب تخالها عذراء عذبة اللمى تجفل من ظلها نهارا" , لا تضاهيها في هذا الوجود عذراء حتى لو كان حسنها حسنا ذلك لأن صحراءنا العذراء.. شفافة.. تحب كل من حولها.. لا تنطق الا الحق... يسكن فيها الطيب وعكسه الخبيث.. بها الغزال يسكن وأخته المها... والأفعوان يسكن الصحراء... تلك الطبيعة تسع الجميع... تسع الجميع


فهد الشمري
ابلاغ
02:35 مساءً 2008/04/24

 11 


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الصمت، ثقافة الصمت في الصحراء، مصطلح خطير جدا، كيف؟!
الصمت في ثقافة الصحراء، ذكرني ذلك بعبدالله نور، يرحمه الله، صاحب ثقافة الصحراءالذي صمت في الصحراء وثقافتها لسنوات؛ ثم خرج ليفجر في صمت الصحراء بحثه عن " نون القرآن"، هذه النون العجيبة التي فيها سر معنى " الصمت"، هل نبدأ الحديث بجد وعمق عن مصطلح " ثقافة الصحراء"، قبل أن نتحدث عن ثقافة الصمت في الصحراء أو غيرها، ما هي العلاقة بين الصمت وبين لغة " ثقافة" الصحراء؟! من هنا نبدأ في الكشف عن أسرار ثقافة الصحراء.


قارئ النص
ابلاغ
02:56 مساءً 2008/04/24

 12 


من أسباب الصمت: الجهل،وعدم وجود مادة حديث، ومن أسوأ أسبابه أن نوهم الآخرين بأننا عقلاء بصمتنا،بينما نحن نستر عيوبنا التي ليس واحدها الجهل.
وسؤال: أليس المثقفون ثرثارين؟،ثرثرة محمودة طبعا.
وسأشكر الناقد الفذ،وأحييه.


فضل
ابلاغ
04:15 مساءً 2008/04/24

 13 


هذا تنظير واقعي وملموس 100% في مجتمع البادية. فالتمويه سمة ملازمة لشخصية رجل البادية. وفي هذا السياق اعرف صديقا بدوياً يستعمل التمويه بطريقة احترافية فمثلا عندما يحل عليه ضيف او زائر مجهول(عند ابله)يقوم بنداء اصدقائه المقربين له باسماء غير اسمائهم،ولطالما اعجبت وتعجبت من ذلك حتى اصبح المقربين له يستعملون نفس الاسلوب.وفي هذا السياق يفضل البدوي اللون (البيج) لسيارته ( الجيب الشاص) فهو اقرب الالوان الى الارض الصحراوية حتى يكاد للناظر الا يرى تلك السيارة الا عن قرب وما ذلك الا امعاناً في التمويه.


ابن السويكت
ابلاغ
04:25 مساءً 2008/04/24

 14 


أخي الدكتور عبد الله، رائع وممتع كما أنت دوما..
لدي مداخلة وسؤال :
قلت :" يأتي الصمت بوصفه لغة بين لغتين هما لغة الثرثرة ولغة العي"، ولكن ألا ترى أن مصطلح " الايجاز " ربما كان هو المصطلح الذي يعبر عن اللغة التي تقع بين لغتي الثرثرة والعي. أنا اتفق معك في أن الصمت قد يكون لغة قائمة بذتها، لكنه لا يمكن النظر إليه من وجهة نظري بوصفه لغة بينية.
هل الصمت أيضا من سمات القبيلة الجبلية أو الساحلية ؟
تحياتي


صالح معيض الغامدي
ابلاغ
07:23 مساءً 2008/04/24

 15 


لله درك يا فهد الشمري... أنت أديب بحق


العتيبي
ابلاغ
02:43 صباحاً 2008/04/25


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية