من تسعده الأيام بزيارة منطقة الجوف فيرى آثارها ومعالم حضارتها القديمة ويتجول في بساتينها ويأكل من تمر حلوتها ويأنس بأهلها وينعم بكرمهم، لن يجد أمامه من لغة تسعفه على الوصف والتعبير سوى أن يتذكّر أبياتاً شعرية قديمة قيلت في الجوف، سمعتها قديمًا وذكّرتني بها والدتي. تقول الرواية الشفهية التي سمعتها وهي تختلف قليلا في بعض العبارات عن الرواية الشائعة، ما يأتي:
الله على - والشمس باد (ن) شعقها -
من فجّر الزرقا على نقرة الجوف
تسقي الغريس اللي ظليل سعفها
يقلَّط نماها للمسايير وضيوف
كم حايلٍ للضيف نرمي شنقها
يقلَّط وَحَدء ماهو على الزاد مردوف
فالأبيات تتضمن الوصف الحقيقي للطبيعة البهيّة للجوف وما فيها من عناصر جمالية كثيرة؛ يمكن التمثيل عليها بإطلالة الشمس الهادئة التي توقظ العيون المثقلة بالنوم إيقاظ المحبّ المشفق على حبيبه. ورقّة الماء الذي يتدحرج في حياض النخيل ويعبر منسابًا نقيًا إلى أشجار الزيتون والعنب والرمان والخوخ والمشمش، فيبهج النفس ويجلب لها نوعًا من الراحة والشعور بالصفاء.
أما مشهد عذوبة الهواء الشمالي المعتلّ الذي يحرك سعف نخيلها فإنه يجعلك تعيش تلك الحركة المتمايلة لسعفات النخيل الشامخة وكأنها تتمايل في سامرية يذهب الصوت فيها ويجيء مع كل حركة ريح تمرّ، وهو منظر يجعل القلوب تتمايل مع تلك السعفات بالبهجة والانشراح. هذا إن لم يكن في ذاكرتك صورة كامنة لذلك المنظر ولتوّك تعرّفت على هذه اللقطة الطبيعية المتكاملة؛ أما إن كنت قد عشت مع سيّدة الشجر في طفولتك وألفت هذه النخلة وتآلفت معها وعرفت خصائصها وطباعها وصارت جزءًا من تكوينك الثقافي، فإن الأمر سيختلف وربما تكون ردّة فعلك عند رؤية نخيل دومة الجندل ذات أبعاد تاريخية وطقوسية متشابكة.
ولأنني قد عشت هذه التجربة بأدق تفاصيلها، فإني أدرك تمامًا هذه القيمة النفسية التي لا يمكن تقديرها لملكة البستان؛ فقد ولدتُ ونموت مع النخيل وسكنت وسط بستان تملؤه النخيل وتزينه نخلة الحلوة، وكانت بمثابة الكيان الذي يملك مقوّمات الحياة من غذاء وطعام ودواء وفرح وضيافة وهدية . وربما تتاح الفرصة للحديث بشكل أدق عن حلوة الجوف الباسقة التي أسرت عقول الشعراء وألهمت الفنانين وملكت قلوب الفلاحين.
وقد سعدت بزيارة الجوف الأسبوع الماضي بدعوة كريمة من مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية للمشاركة في محاضرة هناك، وباهتمام خاص من سعادة رئيس النادي الأدبي بالجوف والمسؤول في المؤسسة الأستاذ عبدالرحمن الدرعان. ووجدت الهدوء والجمال والكرم، وتنقّلت بين مناطقها وزرت عددًا من المواقع الأثرية القديمة التي تكشف عن التاريخ الموغل لهذه المنطقة. وتدل تلك الآثار التي يعود بعضها إلى زمن الآشوريين والأنباط والتدمريين على أنها شاركت في صنع جزء مهم من التاريخ بسبب صلتها بالحضارات المبكرة من خلال موقعها الاستراتيجي بين جزيرة العرب وبلاد الشام وبلاد الرافدين.
وتحوي الجوف حضارة متماسكة، فهي قديمة وجديدة في آن، والقصور والمنازل التاريخية التي لاتزال قائمة في الدومة تحكي امتداد الحضارة منذ ذلك الزمن إلى هذا اليوم. وهناك جهود مبذولة تدل على حرص المسؤولين والمهتمين من المواطنين على الحفاظ على ذلك التراث وصيانته وترميمه واستثماره في جلب السيّاح إلى هذه المنطقة الجميلة. وسوف أخصص مقالات لآثار الجوف في المستقبل القريب. ونؤمل أن تتكاتف الجهود التي تبذلها إمارة المنطقة مع جهود الجهات الحكومية الأخرى كهيئة السياحة والآثار ودارة الملك عبدالعزيز والجامعات وغيرها من الجهات ذات العلاقة للاستفادة من كل عنصر تراثي في المنطقة وتوظيفه لخدمة ثقافة المنطقة وتراثها العريق.
1
لكل من قدم للجوف اهلا وسهلا وشرفت الجوف واهلها بوحودك بينهم.
استاذ ي الكريم ناصر.. ان سمحت لي بالتصحيح لبعض المفردات بالأبيات.
اكون لك شاكر.. مجرد تعديل لا اكثر..
الله على والشمس بادٍ شعقها من حدر الزرقا على نقرة الجوف
يسقى بهأ غرس ظليل ورقها يقلط نماها للمسايير وضيوف
كم حايل للضيف يجدع شنقها يقلط حثث ماهو على الزاد مردوف
تحية واحترام..
ابو محمد - زائر
05:55 صباحاً 2008/04/22
2
نقرة الجوف والنعم
رجال كرام وبلد كريم معطاء
لقد كتبت فأجدت عن شعب عريق
لك كل التحيات والتقدير
أبو أحمد - زائر
06:04 صباحاً 2008/04/22
3
يالله حيهم يبدأ اهل الجوف بقولها للضيوف ولكن تحتاج لمن لديهم غيرة على السياحه الداخليه مثل الكاتب العزيز للتعرف على منطقة من وطننا العزيز فياليت يكون لهذا المقال صدى للفت نظر كبار التجار بالمملكة لفتح فروع لانشطتهم التجاريه بالجوفوشكرا
محمدالشرعبي - زائر
07:18 صباحاً 2008/04/22
4
الجوف من البدان الترايخية التي تحمل عبق التاريخ ولكن للاسف وكأنها جزء لانعرفه من بلادنا
وشكرا لك على هذه اللفتة الى هذا المكان الجميل
أبو نورة - زائر
07:51 صباحاً 2008/04/22
5
يامال العافيه على المقال
أنا من أهل الجووف ويسعد هالصباح اللي يتكلم عن الجوف
أشكرك
متوظفه وطفرانة - زائر
08:30 صباحاً 2008/04/22
6
مرحبا بالاستاذ ناصر , مقالك شدني كالعادة ضمن قراء كثيرون , ولكن حلوة الجوف يكون لها بهاء وجاذبيه تعجز الكلمات أن تعطيها حقها حيث أنها تسمى ( أميرة النخل) وهي التي عادة تأسر قلب صاحب الحقل , حيث تجدها قد أحتلت مكان متقدما في مداخل المزارع نظرا لبهائها وحلو مذاقها وخاصة حينما تكون في الجوف !!! مشكلة هذه النخله أنها لاترضى أن تعيش سوى في بيئاتها الطبيعيه مهما حاولت تدجينها وتدليلها وحتى لو أنك نقلت تربتها ألاصليه معها !!! حيث أنها تحب الشمس التي بداء شعقها في نقرة الجوف , تحياتي...!!!
فضل الشمري - زائر
11:11 صباحاً 2008/04/22
7
الجوف هي دومه ودومه هي الجوف تريخنا من قبل عصر الصحابه
الجوفي - زائر
11:21 صباحاً 2008/04/22
8
الله حيه الله حيه
نورت الشمال كله يا أستاذ ناصر والله يعافيك على الكلام الزين وترا الطيبين هم اللي يعرفون أهل الطيب.
منصور سالم العنزي - زائر
11:52 صباحاً 2008/04/22
9
شكرا لك على المقالة الجميلة التي عرفتنا بالجوف وبطبيعتها وشعرت بصراحة بالتقصير
تحياتي
أبو شوق - زائر
12:52 مساءً 2008/04/22
10
ريحة الشمال كلها بركة. ناسها معروفين بالطيب والقوة والشجاعة والكرم والأخلاق العالية والجود ومن نصاهم مايخاب. مشكورين أخوي ناصر على المقالة الرائعة من كاتب أروع
محمد جديع الرويلي العنزي - زائر
01:11 مساءً 2008/04/22
11
تشكر علي مدح هذه المدينة ويا ليت تاخذ حظها من التنمية
علي احمد - زائر
03:53 مساءً 2008/04/22
12
استاذي ناصر الجوف همشت ردحا من الزمن لأعتبارات كثيره ولكن فيما يتبين لي ان سبب هذا التهميش كونها منطقه أثريه وتاريخيه وليس من السهل التخلي عن كل هذا التاريخ الضارب في تاريخ البشريه واتفقت الابحاث ( الديموغرافيه ) ان عمر المنطقه يتجاوزالمليون عام وان اول استيطان بشري كان في هذه المنطقه هذا اولا وبأعتبار انها منطقه زراعيه ثانيا ولقلة البيئه الزراعيه هنا في المملكه وزحف التصحر المستمر روعي في ان تظل والله اعلم محافظة على عذريتها الطبيعيه فكما تعلم ان الحاجه للمسطحات الزراعيه تتنامى يوما بعد يوم
بن الهذيل - زائر
05:22 مساءً 2008/04/22
13
أشكرك ياعزيزي على هذا الاستعراض المشوق ولكن ينبغي توجيه الالنتباه الى ضرورة تطوير المدينة والمنطقة باكملها وليس فقط الاهتمام بها من اجل المظاهر وغيهرا
وشكرا مرة اخرى
مبارك - زائر
08:52 مساءً 2008/04/22
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة