يفقد الإنسان التركيز على الجزئيات في ثقافته عندما يكون تركيزه الدائم على الكل، كما أن الشعور بالحياة الاجتماعية يعتبر غير ناضج إذا كان في المجتمع من يرى الكل في الثقافة قبل الجزء، بمعنى دقيق علينا أن نمعن النظر بالمجتمع وبكل زاوية فيه مهما كانت بعيدة أو قريبة منا دون كلل أو إهمال.
هناك علاقة شرعية بين الثقافة والمجتمع لا أحد يستطيع فصلهما بشكل دائم وقاطع، فبين الثقافة وبين المجتمع تتشكل كل الحياة الإنسانية. الثقافة التي تنقطع عن مجتمعها وتنفصل تموت والثقافة التي لا يحدث بينها وبين المجتمع انفصال مؤقت ومتكرر أيضا تموت هي والمجتمع، فطبيعة العلاقة بين الاثنين هي قريبة من علاقة البشر تتعرض للكثير وتحتاج إلى صيانة دائمة وإلا انفصلت.
الثقافة والمجتمع يتعرضان للانفصال عشرات المرات ويعمل مأذون الثقافة بشكل دائم على إصلاحٍ بينهما أو إعادة العقد مرة ومرات وهذا المأذون في علم الاجتماع يسمى النسق السياسي بجميع مكوناته والذي يبذل كل ما في وسعه في المجتمعات البشرية لإعادة كتابة تلك العلاقة بطريقة جديدة كلما كان هناك انفصال أو اختلاف .
ولكن يبقى السؤال الذي يثير حفيظتنا بشكل دائم: لماذا تنفصل الثقافة عن مجتمعها وكيف يعيدهما المأذون إلى مسيرة طبيعية وبعقده الشرعي..؟. هذه واحدة من أصعب المعادلات وأكثرها دقة في الحياة السياسية الحديثة لمجتمعاتنا وغيرها.
انفصال الثقافة عن المجتمع بشكل متكرر ودائم فيه فقدان كثير للبناء ولمقومات الحياة في ذلك المجتمع وللبناء الفكري بل أنظمة المجتمع كلها التي تقوم بين أفراده. قد يكون من الطبيعي أن يحدث انفصال بين الثقافة والمجتمع كل عقد أو عقدين من الزمن نتيجة تطور الأحداث البشرية وتغير العالم ولكن غير الطبيعي أن يحدث هذا الانفصال كل عام أو عامين وهذا ما يمكن تسميته قلق التوافق الاجتماعي الثقافي وهذا حقيقة ما تعانيه مجتمعاتنا الشرق أوسطية.
السؤال الآخر وهو: كيف تنفصل الثقافة عن مجتمعها وكيف يعرف المأذون بذلك وكيف يدرك مهمته..؟، ولكي تكون الصورة بسيطة لابد من سوق أمثلة حية على حالة قلق دائم بين الثقافة ومجتمعها وهي اخطر أنواع الانفصال الذي قد يذهب ضحيته المجتمع في كثير من الأحيان.
في عالمنا العربي تحديدا تعتبر حالات انفصال الثقافة عن المجتمع عالية جدا بل بعضها يصل إلى حالات مستعصية تنذر بذلك الطلاق الدائم الذي ينذر بموت المجتمع وثقافته تحت حياة من الفوضى.
ففي الحالة اللبنانية شكل من حالة الانفصال بين الثقافة والمجتمع تحاول فيه السياسة أن تلعب دور المأذون لإعادة الوفاق ولكنها تعجز كما عجزت في مرات سابقة أدت إلى طلاق دائم استمر لسنوات من ضياع الثقافة والمجتمع واستدعى تدخلا لإعادة الوفاق.
في الحالة العراقية كان الوضع مختلفا فالوفاق بين الثقافة والمجتمع كان مزيفاً إلى درجة انه لم يستطع الصمود فعندما سقط المأذون وسقط تمثاله لم يكن في وسع تلك الثقافة والمجتمع إلا أن صمتت مع علمها بأن فوضى كبيرة سوف تعقب سقوط مأذونها على الأرض وهذا ما يجري في العراق ولكن لأن وفاق الثقافة والمجتمع كان مزيفا لسنوات طويلة لا يؤمن بالتعدد وحاجات كل من الثقافة والمجتمع المختلفة فقد تم الطلاق وأعلن على العالم وشهد عليه شهود من الخارج.
في مجتمعات أخرى لم تصل الحالة إلى الحد الذي وصلت إليه في لبنان والعراق وقد تصل ولكن انفصال الثقافة عن المجتمع يبدأ صغيرا ثم يكبر وتديره فئات لا تدرك أنها تلعب بالنار.
بعض الاتجاهات الفكرية والسياسية في عالمنا ومن وخلال أفرادها الذين يصورون الواقع بشكل غير دقيق تتبنى أعمالاً تؤدي إلى انفصال دائم ومتكرر بين الثقافة والمجتمع وتعاني من مثل هذه المواقف مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكل دائم وخصوصا عندما تعتقد تيارات بعينها أن من حقها قيادة المجتمعات ثقافيا وتحديد علاقتها بالآخرين.
فعلى سبيل المثال دأبت الفئات المؤيدة للتيارات الإسلامية المتشددة في السنوات الأخيرة وخصوصا خلال الثمانينيات والتسعينيات الميلادية إلى لعب دور خطير في تأزيم العلاقة بين المجتمعات والثقافة واسهم في ذلك أن ذلك الدور رافقه في كثير من الأحيان عدم تدخل سريع من المأذون لحل النزاع وإعادة الأمور إلى واقعها. المجتمعات الإسلامية ومنذ ذلك الوقت والكثير منها لازال يحصد تهاونه في متابعة الجزئيات في الثقافة التي تحدثت عنها في بداية هذا المقال.
لقد تمادت الكثير من الفئات في تأزيم العلاقة بين الثقافة والمجتمع من اجل فرض صورة ونمطية واحدة للعيش، هذا التمادي أنتج قضايا كثيرة منها انه تم صنع عدو مفتعل داخل المجتمعات العربية والإسلامية .. هذا العدو أطلقت عليه أسماء مختلفة، فمرة تم تسميته بدعاة العلمانية ومرة بدعاة العولمة ومرة بدعاة التغريب ومرة بالإرهابيين.
هذا العدو الذي تم صنعه وتكبير صورته لسنوات طويلة هو الذي جعل مأذون الثقافة يتدخل في مجتمعاتنا العربية خلال العقدين الماضيين بشكل كبير ومتكرر. فها نحن نرى مجموعات كالإخوان المسلمين في كل مكان يمارسون دورا متكررا في انفصال الثقافة عن المجتمع بل لا يرغبون أن يروا علاقة متزنة يسودها الود والوئام بين المجتمع وثقافته كما يقابلهم مجموعات ترى أن علاقة الثقافة بالمجتمع يجب أن تعاد كتابتها بأقلام من خارج مجتمعاتها.
اخطر ما في الثقافة والمجتمع أن يرغب احدهما السيطرة على الآخر بشكل دائم دون إحساس بأن الثقافة لها مكونات متفاوتة وتتعاطاها فئات مختلفة المشارب والأنماط وكذلك المجتمع، فإذا تقاسم الاثنان دور العدل والمساواة كان ذلك إدراكاً منهما بما نسميه التعددية في الآراء والأفكار والتي بها يضمن المجتمع وتضمن الثقافة بأن معدلات انفصالهما ومشكلاتهما قليلة وليست متكررة منذرة بخطر.
إذا أردت أن تقيس توافق الثقافة والمجتمع فما عليك سوى النظر في وجوه المختلفين والى ما يصدر منهم من تصرفات فإذا رأيتهم يتحاورون بشكل هادئ وعلمي واختلافهم يبقى في حدود الواقع فعليك أن تدرك أن تلك الثقافة وذلك المجتمع متفقان يملؤهما الوفاق والعكس صحيح عندما ترى الوجوه المتجهمة والصراع اللفظي اكبر من الحوار الفكري.
هذه الحالات هي التي تنهك المأذون الذي يحاول أن يحقق الوفاق بينما تعمل الفئات على عدم منحه الفرصة لذلك فيشغل وقته في ترميم التصدع في الثقافة وينسى التنمية والتطوير وهذا ما يجعل الكثير من المجتمعات منشغلة بنفسها وليست منشغلة من اجل نفسها. كما أن ظاهرة التودد إلى المأذون من كل طرف تربك عمل ذلك المأذون وقد تجعله يستمع إلى الثقافة دون المجتمع أو إلى المجتمع دون الثقافة فينحاز في حكمه وطريقة تقييمه.
إن العالم الإسلامي يعاني من خطر شديد لكثرة حالات الانفصال القائمة بشكل دائم بين الثقافة والمجتمع وهذا ما سوف ينذر بحالة قد تؤدي إلى انفصال دائم يصعب ترميمه ويعجز المأذون الشرعي لهما عن إعادتهما إلى الوفاق مرة أخرى.
الثقافة والمجتمع في عالمنا العربي كثيرة هي حالات الانفصال بينهما وهذا يدل أنهما ينقصهما الكثير لمعرفة حقوقهما على بعض وهذا لن يتحقق إلا بإدراك النسق (مأذون الثقافة) في مجتمعاتنا العربية والإسلامية لدوره في تطبيق الحقوق على نفسه والآخرين.