كل ما في المنطقة العربية وهو مجالنا الحيوي وقدرنا، يوحي بأن عجلة التغيير مصابة بالعطب، والمقصود بالتغيير هنا الإيجابي، أما السلبي فهو تأثير متواصل أمام أزمات لا تتوقف.
العراق ما زال نموذجاً لقراءة الوقائع بعد التحولات العاصفة. بعد التداعيات الكبرى، ها هو الصراع يتحول إلى أبناء الطائفة الواحدة. برزت للسطح أحداث البصرة خلال الأسابيع الماضية قتلى بالمئات وجرحى بالآلاف، وما زالت الأحداث ساخنة هناك. يلح السؤال، كيف تصبح الجماهير الصدرية وسواها وقود صراع وعنوان قتل على خلفية مشهد لا تشارك فيه الجماهير لكن تصنعه نخب من نوع آخر.
هل يمكن لنخب اليوم المؤثرة في الجماهير - إذا عدت نخبا - أن تصنع التاريخ في منطقتنا المأزومة؟ وهل تعد هذه نخباً طليعية في تقدم يذكر في مسار بناء الدول والأوطان؟ وهل ستظل الجماهير وقوداً تحركها نخب لا يمكن فرز علاقاتها أو مشروعاتها، وهل تملك تلك النخب أكثر من سلطة الطائفة، لتضغط على العامة من الجماهير المغيبة تلك الهواجس، بين ارتهان لفكرة المُخلِّص، وحياض الطائفة.
اغتيال القس عادل يوسف راعي كنيسة مار بطرس للسريان الأرثوذكس وسط بغداد الذي تزامن مع تلك الأحداث.. خبر صغير في عنوان إفراغ مستمر للعراق من التنوع الجميل الذي طالما أثرى وأبقى ملامح مدنية وحضارة وانسجاماً بين الطوائف المختلفة.. مهما تعددت أديانها وأعراقها. تلك المؤامرة الكبيرة على العراق آتت أكلها بالتهجير والنفي والترحيل.. المؤسف ان تلك الطائفة المسالمة ضرورة مدنية، وعامل غني وتنوع وحضور إنساني أيضاً في أي مشهد وطني يراد لعراق حر.
عندما تتحول الأوطان إلى جموع من العوام تجري خلف مرجعيات لا نخب، تتراجع فكرة الوطن الجامع لفكرة مواطنة إلى عنوان طائفة لا سواها. قارنوا بين ملامح وملامح ستكتشفون الفرق بين الإقبال على الحياة وبين الرحيل إلى سراديب الماضي. بين المدنية بعشقها للحياة وبين البكائيات التي صارت عنواناً دائماً لعراق ما بعد الغزو.
إذا كان ثمة نخب اليوم في المشهد العراقي فهي تقوده إلى مصير معتم، ومن المؤلم ان تتحول الجموع إلى وقود لطموحات الزعامات وصراع الطوائف الخفي وعلاقات القوة الاقليمية - إيران - الملتبسة، التي تتعاطى مع الطيف العراقي الشيعي بكل تلويناته، فهي حاضرة في المشهد بكل أبعاده.
بين العوام والنخب، تبرز تلك العلاقة بين صُناع التاريخ وبين وقود الصراع اليومي. النخب الحقيقية التي تصنع التاريخ هي من يقود الجماهير لمشروع انساني وقيمي واخلاقي وتقدمي له ملامح مشروع وبرنامج منظور... أما ما يحدث الآن فهو قيادة عاطفية تعبر عنها مرجعية طائفية - مذهبية أو عشائرية أو عرقية - لا علاقة لها بالإجابة على الأسئلة الكبرى في عقل إنسان يتطلع أن يكون إنساناً قبل أن يتحول إلى قاتل ومقتول.
تتحرك الجموع بلا عقل سياسي، مدفوعة بالتأثير المباشر على حصانة الجماعة وحياضها ومجالها الحيوي، لا على قناعات مبنية على معنى هذا الوجود. تغيب الدولة عندما تصبح الطائفة أو الجماعة أو العشيرة هي الشغل الشاغل لعقل العامة. يذكي هذا الشعور مرجعية تغيب لتعود عبر بيانات لا تفسر تناقضاتها.
جموع من العوام الفقيرة العاطلة المنهكة البائسة تتحرك بوعي الطائفة لا بوعي المعنى من وجود حياة البشر وقيمة الإنسان وثمن الدم.. انها تعيش في التاريخ وعلى وقع التاريخ وهي ما زالت تحاصر نفسها في مشهد التآمر على كيانها الصغير.. دون إدراك ان حتى الكيان الصغير يذوي دون التطلع للهدف الكبير من بقاء الكيان الأكبر، بعد أن تحاصره طموح الطوائف وحسابات العشائر وهواجس القوميات.
أفرغت النظم الدكتاتورية الشمولية المجتمع العربي من النخب التي كانت تعبر عن مشروع إنساني وطني وتقدمي، لتبقى وحدها تحاول الاستحواذ على عقل العوام بعد إفراغ المشهد من حضور النخب الحقيقية التي تملك القدرة على التأثير. عقل العوام أصيب بالدروشة، وكلما حاصرت الدولة البوليسية تلك الجماهير بأجهزتها الضاغطة كلما انكفأت تبحث عن أمانها النفسي حيث عمق الطائفة، حتى أصبحت جموعاً تحمل عقلاً انعزالياً، لا حلماً بوجه وطن بما يتجاوز فكرة الطائفة التي منحتها أمان البقاء لكن لم تمنحها بعد أمان المستقبل.
عندما اتسعت الهوة بين النظم الحاكمة والجماهير العريضة عبر وأد السلطة لأغلب الوسائط السياسية، لم يبق لهذه الجماهير سوى أن تنخرط في مشروع النظام لتصبح الانتهازية والقبول بواقع الحال على مضض من أجل البقاء لا أكثر، بينما أعطت عقلها ومشاعرها لمجالها الأضيق وهو الحيز الطائفي أو العشائري... حتى إذا انكشفت غمة النظام عبر خلعه - كما في المشهد العراقي - تحركت تلك الجماهير بعقل الطائفة لا بهاجس الوطن، وعبر الاستجابة لمرجعيتها الضيقة، لا لمرجعية نخب تعبّر عن تلك الوسائط السياسية التي غابت منذ عقود.
غابت النخب التي تعبّر عن المشهد السياسي الحيوي لتصبح القيادات طائفية وعشائرية بامتياز، حتى الدولة الجديدة في العراق اليوم لم تقو على ثني بعض عناصر من الجيش أو الشرطة عن الالتحاق بصفوف العامة من الجماهير، فمرجعية النظام أكثر ضعفاً وأقل اقناعاً أمام مرجعية الطائفة أو العشيرة.
قطعت النظم الشمولية الطريق على أمام النخب البديلة عبر إلغاء الحياة السياسية، وحاولت أن تعبئ الجماهير خلفها عبر مشروعات لم تحصد منها في النهاية سوى مرارة الحرمان والقهر وانعدام الكفايات. مشهد البؤس العربي في وأد النخب التي بدأت تتحرك بوعي ما بعد الاستقلال سرقته أيدي النظم الشمولية الدكتاتورية وهي تجيز كل سلطة من أجل النظام لا من أجل الجماهير حتى لو توسلتها أو ظللتها حيناً من الدهر.
خسر العالم ا لعربي الكثير عبر تغييب النخب التي لا يمكن استعادتها بسهولة اليوم، خاصة والمشهد العربي يوحي بتراكمات قاسية خلفت أزمات علاجها لن يكون متيسراً، وها هي المحاولات الشاقة من أجل الابقاء على حدود الكفايات يصاب بالعطب.
النخب التي تصنع التاريخ تحتاج لجماهير مؤمنة بمشروعها، كما أن وجودها أصلاً مرتبط بقدرتها على تقديم مشروعات قابلة للحياة. البيئة السياسية العربية اليوم عاجزة عن استيلاد نخب تحمل برامج خارج العنوان المقنن وتحت يافطة النظام القلق، ونخب اليوم التي يمكن أن تحرك جماهير العوام هي نخب طائفية أو عشائرية. يغيب وجه السياسي الذي يعبّر عن حضور التكوين الاجتماعي والثقافي بكل تعبيراته الاثنية أو الطائفية عن أجندة تلك المرجعيات.
عندما يحمل العوام المهمشون السلاح يتحول الغوغاء إلى سادة الشارع، وتصبح المواجهة الحتمية بين القتل والقتل، وتذوي الأسئلة الكبرى في مواجهة ملامح الدمار والتفجير والتهجير والقتل المجاني وتدمير ما تبقى. النخب هنا تغيب لكن تظهر المرجعيات التي تغذي هذي القوى الغوغائية لتساوم على دمها، ولتقاتل عن حصصها لا في مواجهة طائفة أخرى فحسب، بل ولمواجهة الطائفة نفسها إذا لزم الأمر.
1
"البيئة السياسية العربية اليوم عاجزة عن استيلاد نخب تحمل برامج خارج العنوان المقنن وتحت يافطة النظام القلق، "
وعي النخب قادر على صناعة برامج إنسانية وطنية تقدمية، ومخاتلة النظم السياسية..
عبدالله القفاري..أشعل لنا ضوءاً في هذا الظلام العربي..
04:28 مساءً 2008/04/21
2
ياسيدي.. نحن الان في زمن.. احترامي للحرامي..
06:18 مساءً 2008/04/21
سجل معنا بالضغط هنا