د. مطلق سعود المطيري
2- الشكل:
يقول أحد صناع الفخار: "أنا أصنع الشكل أولاً ثم أصب فيه الفخار اللين"، والمادة هنا بلا أي قيمة بينما الشكل هو كل شيء.
قضية الشكل والمضمون بالغة التعقيد، وبعض المنظّرين يرون أن الشكل نفسه هو العنصر الأهم في تشكيل المضمون، ومساحات النشر تضيق على أبسط المحاولات للإقناع بأهمية الشكل، ولكننا نكتفي ببعض ما اتفق عليه الجميع من ان الموسيقى مثلاً هي الفن الكامل لأن الشكل والمضمون فيها شيء واحد، وهم ايضاً قد اتفقوا على أن المادة موجودة وقائمة دوماً، ولكنها تسعى دائماً إلى الاكتمال عبر اكتمال الشكل، وربما يغنينا عن الإفاضة هنا نص أنقله عن آرنست فيشر في كتابه ضرورة الفن: "وإذا كان الشكل هو المسيطر على الطبيعة كلها فلابد ان يكون هو العنصر الحاسم في الفن، وأن يكون المضمون عنصراً أدنى منه وأقل قيمة"، وأبادر إلى التنبيه إلى أنني لا أعود بهذا الطرح إلى قضية قديمة منذ اليونان والرومان لم تحسم حتى اللحظة انشق حولها فلاسفة الجمال إلى فريقين يرى أحدهما ان الفن ينبغي أن يكون من أجل الفن، والآخر يرى أن الفن لخدمة الجماعة، فلست أنحاز لأي منهما وانما ألحّ على أن يكون الفن فناً سواء كان من أجل الفن أو من أجل الجماعة.
بطبيعة الحال لست أقصد بالشكل تلك المجموعة السخيفة من القواعد والنظم والشروط التي ربما تعارف عليها الناس، وإنما للمسألة بعد فلسفي آخر قد يتضح من الكلام.
وفي اقتراب أكثر من أعمال "الرواية الجديدة" ومدى ما أصابته من حظ في اكتمال الشكل الذي يعطيها مصداقية الشعر "رواية" لا حيلة أمامي إلا أن أكتفي بجزئية واحدة صغيرة من هذا الشكل، أعني شخصية البطل والرواية، أو شخصية "الرواية" إن كان البطل هو راوية الموضوع.
بالنسبة للفنان الحقيقي، الممتلئ بالوعي والقدرة على الإدراك، يبدو العالم بأسره كومة هائلة مكدسة من الشظايا - المادية والإنسانية معاً - التي لا تربطها علاقة، يتجاور فيها التافه والمثير، والمهمل والمهم، والفنان وحده هو الذي يتلقى خياله قذائف قاسية من شظايا ذلك الركام، وعلى الفنان بعد ذلك وقد غزت هذه القذائف وعيه أن يعيد تركيبها من جديد لإكساب بنائه المعنى الذي يريد أو يرى، ومن ثم يقوم الفنان بتكليف بطله، أو راويته، نيابة عنه بهذه المهمة، أي أن وعي البطل هو نفسه وعي الفنان، وليس وارداً هنا مسألة الذاتية والموضوعية بحال، فإفضاءات الفنان عبر بطله خاصية لا ترتبط بذاتيه الموضوع أو موضوعيته وانما بوعي الفنان وقد تلبس روح الاشياء. هذا ما يقوله بودلير: "إن الخيال ينحّي الخليقة كلها جانباً، ثم يعيد جمع الأجزاء ويركبها معاً وفقاً لقوانين تنبع من أعماق النفس، لينشئ منها عالماً جديداً وذلك الجديد هو ما اصطلحنا على تسميته العالم الفني للرواية أو للقصيدة، والبطل وحده هو مُنشِئه وفقاً لوعي الكاتب.. فإلى أي حد يقترب أبطال "الرواية الجديدة" من هذا النموذج؟
كل الأعمال التي ألقت بنفسها إلينا اختارت لفضاءاتها نمطاً مكانياً أو إنسانياً، ووضعت أمامه "كاميرا" غبية تصوره بلا انتقاء كما هو، زاعمة أن ذلك "فضح" لواقع محدد، وأن ذلك الفضح يمكن أن يشكل مضموناً.. أي مضمون؟
عندما يتحدث البطل بضمير المتكلم ليوعز ان البطل هو نفسه المؤلف سرعان ما نكتشف سذاجة الخدعة، ف"أنا" البطل ليست هي "أنا" الكاتب بحال، ولكنها "أنا" مشيئة، أقصى درجات وعيها فتح عدسات التصوير دون مساس بالترتيب أو إعادة البناء أو التعليق في أسوأ الأحوال، أنا عاجزة عن تحريك شيء فكيف تستطيع ان تقيم بناءً فنياً متماسكاً نسميه "الشكل"؟، إنها تلك الأنا التي أسماها فرويد الأي دي ID، بعض الدارسين فسرها بأنها "الهوية" لكن أحد العارفين أفادني أنها ضمير الغائب المفرد لغير العاقل في اللغة اللاتينية. هذا ينطبق على بطل الرواية الجديدة، مفرد غائب لغير العاقل، مثل الكاميرا، هل بوسعه أن يحرك حجراً واحداً في بناء شكل فني؟!