"في إحدى الشركات ترك أحد المهندسين عمله فيها واشتغل لحسابه، وبعد تركه العمل تعرضت إحدى الآلات للعطل جراء تلف أحد الأجزاء، وقد حاولت الشركة إصلاحه لمرات إلا أنها لم تتمكن مما اضطرها إلى الاستعانة بالمهندس نفسه لإصلاح الآلة باستبدال الجزء. وفعلاً قام المهندس بتركيب الجزء باستخدام مطرقته الصغيرة لملاءمة وضع الجزء الجديد في موقعه وإعادة الآلة للعمل في دقائق. ثم قدم فاتورة التصليح بمبلغ ألف دولار. ولأنها كانت فاتورة كبيرة فقد طلب منه أن يقدم تفصيلات هذا المبلغ فكتب في الفاتورة: دولار واحد لاستخدام المطرقة و(999) دولاراً ثمن معرفة تركيب الجزء".
انتهت القصة التي ترد في أدبيات الإدارة الحديثة وخاصة في أدبيات إدارة المعرفة، وآخرها إصدار بعنوان "إدارة المعرفة، المفاهيم والاستراتيجيات والعمليات" تأليف الدكتور نجم عبود نجم (الوراق للنشر والتوزيع) 2008م.
أوردت تلك القصة نقلاً عن هذا الكتاب الحديث، وتبادر إلى ذهني سؤال: هل المعرفة أمر جديد، أم هي موجودة منذ القدم؟ وما الذي يجعل العالم الآن يتحدث عن المعرفة وإدارتها، واستثمارها بل وجعلها هي عنوان العصر الحديث؟
المعرفة كما نعلم قديمة متجددة، أما الجديد في الموضوع فهو إدارة المعرفة واستثمارها، وتنوعها، وأسلوب انتقالها، وتوثيقها.
في الماضي، كان بنّاء البيوت الطينية يسمى ب (أستاد)، وكانت معرفته المهنية ذات طابع فردي، وهذه قد تنتقل إلى أبنائه أو من يعمل معه وقد تختفي، وهي في ذلك الوقت معرفة غير موثقة ولا يمكن التدريب عليها إلا بالممارسة.
في الماضي أيضاً، فإن الشخص الذي لديه مهارة في العناية بشجرة النخلة، أو بحفر الآبار، فإنه ثروة لا تقدر بثمن، تلك المهارات انتقلت في العصر الحديث إلى الآلة لتقوم بها بدلاً من الإنسان لكنها تظل رغم التقدم التقني الهائل مرتبطة بالإنسان فكراً وتطبيقاً.
المعرفة الفردية لا تزال موجودة لكن الجديد هو تحول المعارف الفردية إلى الشركات لاستخدامها كمخزون يساعدها في ميدان التنافس والتميز وابتكار معارف جديدة، وبالتالي ميزة تنافسية جديدة.
إن الحديث عن "المعرفة" في عالم المال والأعمال ليس له علاقة بالترف الفكري، أو نظرية "العلم من أجل العلم" وإنما يتجه التركيز على تحويل المعرفة إلى ممارسة وتصبح هذه الممارسة ثروة تمتلكها الشركة هي الأصول الفكرية بالنسبة لها.
وبحسب الكتاب الذي أشرنا إليه يتم تصنيف المعرفة لتسهيل استخدامها وإدارتها، ومن التصنيفات المذكورة تقسيمها إلى:
- المعرفة الإجرائية (Know - how)
- المعرفة الإدراكية (Know - what)
- المعرفة السببية (Know - why)
- معرفة الأعراض أو الاهتمام ب لماذا (Care - wgy)
إن المعرفة تقود إلى المعارف، وهي بدون استخدام لا قيمة لها، وهذه البدهية المعرفية تذكّرنا بأهمية ربط التعليم بكل عناصره، سواء المنهج، أو طرق التدريس، أو النشاطات غير الصفية وربطها كلها بالممارسة، وبالواقع لاستخدام المعارف في التطوير، وحل المشكلات، وابتكار معارف جديدة.
وهذا يتطلب تنمية روح البحث لدى الطلاب، والبدء بتعلم مبادئ البحث وممارستها منذ المرحلة الابتدائية.
إننا أمام (المعارف) نمر بمرحلة جديدة مختلفة تماماً عن المراحل السابقة في نوع المعرفة، وحجمها، وطرق توصيلها، وتوثيقها، وتطبيقها، وإذا كانت الشركات قد انتقلت إلى عصر إدارة المعرفة، فإن مؤسسات التعليم لم تفعل ذلك حتى الآن.