بحث



الأربعاء 10 ربيع الأخر 1429هـ -16 أبريل 2008م - العدد 14541

عودة الى الرياض الاقتصادي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


المقال
الاقتصاد الحديث آية من آيات علم الله

د. حمزة بن محمد السالم
    من عظمة هذا الدين توافقه مع كل زمان ومكان على أساس نصوص شرعية منبعها الكتاب والسنة. هذه النصوص وإن كانت ثابتة من ناحية الأحرف والكلمات غير أنها متجددة من حيث الفهم والإدراك. فقدرة الإنسان على الفهم والحكم على الشيء نابعة من تصوره لذلك الشيء. وتصور الإنسان وإدراكه نابعان من الأحداث المتجددة في عالمه الذي يحيا فيه. وهنا تظهر قدرة الله ورحمته بأن ارتضى لنا دينا ثابتة أصوله، متكيفة مفاهيمه مع المستجدات إلى قيام الساعة لا تناقض ولا اختلاف بين الواقع المتجدد والنصوص الثابتة (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا).

في ريعان الصبا عندما كنت في المرحلة المتوسطة استوقفني قوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء) فأتيت والدي رحمه الله بدليل دوران الأرض، فما كان منه إلا أن أحالني إلى تفسير الشنقيطي رحمه الله الذي فسرها ، على طريقته بتفسير القرآن بالقرآن، على أن ذلك يكون يوم القيامة. (هذا إن لم تخني الذاكرة فأنا أكتب في الطائرة فوق أرض الصين). فراجعت والدي رحمه الله بأن وصف الله تعالى للرؤية بلفظ (تحسبها) ووصفه تعالى للموقف باستخدام الصنع غير متناسب مع أوصاف أهوال القيامة. فالجبال تسير يوم القيامة وتنسف حقيقة لا تخيلا وكذلك لفظ الصنع لا يتناسب مع التدمير العام للأرض وتساقط السماء وتسجير البحار، فلعل هذه الآية من الإعجاز العلمي للقرآن. فما كان من والدي رحمه الله وأسكنه وسيع جناته إلا أن نهرني، آمراً إياي أن لا أتجاوز آراء العلماء. وعندما بلغت ريعان الشباب أثرت الموضوع مرة أخرى مع بعض أهل العلم فحاجوني بمرور الجبال وأن هذا يلزم منه ثبات الرائي. فحاججتهم بأن مرور الجبال أتى مطلقا في الآية ولم يقيد، وعليه فإن ثبات الرائي ليس لازما عنه. وإنما قد يصح أن يكون ثبات الرائي لازما عن مرور الشيء عليه إذا قيد بقيد كقول الشاعر (تمر عليك الأبطال كلمى هزيمة... ووجهك وضاح وثغرك باسم).

أردت بهذه المقدمة أن أمهد فكر القارئ الكريم بأن النصوص الشرعية ،رغم ثباتها، تحمل في طياتها إعجاز الإسلام وصلاحيته كخاتم الأديان، ومقدرته على الانتقال من فهم صحيح مناسب لحقبة معينة إلى فهم صحيح آخر مناسب عند تغير الوقائع دون تغير النص وهنا تتجلى قدرة وعظمة الخالق وضعف وجهل المخلوق. ويجب أن ندرك بأن الانتقال من فهم إلى آخر لا يكون سهلا ولا مرحبا به ،فلا بد من مقاومة التغير واتهام التجديد والمجددين (رغم أنه أصل في الشريعة). وهذه المقاومة في أصلها محمودة ومشكورة، فهي من باب حماية جناب الدين والحفاظ عليه من التغير والتحريف. فلا ضرر ولا عيب ولا عجب بأن نرى رفض فكرة دوران الأرض لعدم تصور المسألة آنذاك وكذلك قياس أوراقنا النقدية على الذهب والفضة لعدم تصور ديناميكية الاقتصاد المعاصر، والأمران كلاهما صعب تصوره وإدراكه. ولكن شتان بين المسألتين. فالأولى لا تعلق للعباد والبلاد فيها لا من باب العبادات ولا المعاملات وأما الثانية فخطأ التصور وشدة المقاومة أديا إلى لوي أعناق النصوص وهجران أقوال السلف وتفسيق المخالفين والتضييق على البلاد والعباد والتلاعب بالحيل وإعادة الدين إلى عصر القرون الوسطى للفقه الإسلامي (وذلك عندما لجأ المفتون للحيل لتحليل ما ألزموا به العباد بما لم يلزمه الله عليهم من وقوع الطلاق الثلاث في جلسة واحدة حتى جدد الله الدين على لسان شيخ الإسلام وأظهره على يد الشيخ ابن باز رحمه الله) .

عندما جعل الشارع الربا في الأصناف الستة ولم يظهر العلة لم يكن ذلك عبثا ولا نسيانا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، مما أدى إلى اختلاف العلماء في علة الربا اختلافا شديدا. وحتى الحكمة عندما لم يبينها الشارع لم يكن ذلك عبثا ولا نسيانا تعالى سبحانه عن ذلك، (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله "وقد كان من العلماء المشهورين في زماننا غير واحد يقولون لا نعرف حكم (أي حكمة) تحريم الربا وذلك أنهم نظروا في جملة ما يحرم فلم يروا فيه مفسدة ظاهرة").

الاقتصاد إلى عهد قريب كان قائماً على أن ملاك الأرض والماشية والعمران والمصانع هم أنفسهم ملاك الذهب والفضة. ومع الثورة الصناعية وتطور عمل البنوك وانتشارها، اختلفت التركيبة الاقتصادية بالكلية. فأصبح أهل الذهب والفضة في جانب، والقادرون على الاستثمار في جانب آخر..

ومواكبة لهذا التطور تسارع التعامل بالأوراق النقدية بدلا من الذهب والفضة التي لم تلبث، أي الأوراق النقدية، حتى انفصلت عن الذهب وأصبحت هذه الأوراق سلعة من السلع تباع وتشترى كغيرها من السلع بل إن سوقها هو أعظم سوق في العالم يزيد قيمة التداول فيه على ترليون دولار يوميا. وهذا قد كان في علم الله وأصبح الآن تبيانا وإيضاحا لحكمته ، في تشريعات البيوع والسلم والمضاربة والأموال الربوية التي خفيت على الكثير من السابقين واللاحقين. وهو أيضا من رحمة الله بالمسلمين وتوسيعه عليهم.

أنى تأمل الناظر العارف تتبين له حكمة عدم إظهار علة الربا من الشارع وتركها موسعة لتشمل المستجدات التي تجد في حياة الناس وهي في علم الله وقدره ولكن لا يتسعها إدراك البشر وأفهامهم حتى يروها مثلها مثل الخلافة وغيرها من معاملات العباد ودوران الأرض وغيرها من آيات الله الكونية. فالآن في أمريكا مثلا، البنوك وحدها تمول المشاريع بما يقارب ستة ترليونات سنويا (أي ما يقارب ستة آلاف ضعف ميزانية المملكة). فازدهرت البلاد وأصبح كل شخص طبيعي له دخل ولو بسيطاً يمللك منزلا ومركباً. وهنا في بلادنا جُمد اقتصادنا على أن ملاك الأوراق النقدية هم المستثمرون وباقي الأمة إما عالة على الدولة أو فقراء. فخُلقت الطبقية المقيتة واستنزفت أموال الدولة بإنفاقها على استهلاك الأمة وكل ذلك لعدم تصور حقيقة الأوراق النقدية التي أثبتت حقيقتها بأن السلف جميعهم على اختلاف مذاهبهم واستنباطاتهم لعلة الربا أنهم هم أسلم وأحكم وأعلم من الخلف.

وقد بدأت الآن تتضح معالم الاقتصاد المعاصر وأصبحنا ندرك الواقع النقدي المعاصر ولكننا للأسف لم نرجع إلى أقوال السلف بل إلى أصحاب السبت.

@ أستاذ الاقتصاد المالي - جامعة الأمير سلطان

13 تعليق
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


مقالاتك يادكتور حمزة ممتازة جداً. وأعرف ما تصبو إليه. هناك سؤ فهم كبير جداً لمعنى "الربا" واعتقد أنك في الاتجاه الصحيح ربما لتصحيح هذا المفهوم الخاطيء والخاطيء جداً والضار جداً والذي "مفاسده أكبر من مصالحه" (إذا كان له مصالح). وفقك المولى لما يحب ويرضى


د. إبراهيم التركي
ابلاغ
05:15 صباحاً 2008/04/16

 


لماذا لا تخصص جامعاتنا الاسلاميه كراسي بحثيه لدراسة الاقتصاد ويكون هدف هذه البحوث محاولة ايجاد انظمه اقتصاديه جديده توافق الشريعه وتسهل امور الناس اقتصاديا ان هذا الدين العظيم واسع ولا يعجز عن اعطاء الحلول فلماذا لا نوجد ( فقه اقتصادي ) مبني على دراسات اختصاصيه ؟؟ انني اعتقد اننا مقصرون في هذه الناحيه ,,


عبدالاله الشهراني
ابلاغ
05:52 صباحاً 2008/04/16

 


لماذا لايتحول الاقتصاد من راسمالي الى اقتصاد اسلامي. وتفرض الزكاه على اصحاب الملايين وعلى البنوك ومنع الربى. واجبار البنوك واصحاب الملايين في استثمار اموالهم في مشاريع اسكان وصناعه وعدم ترك الاموال تخزن في البنوك الغربيه من اجل الفائده الربويه.لماذا لا يتم حباية الزكاه كما كان ايام الرسول والخلفاء الراشديين وصرفها على المستحقيين واقامة مشاريع استثماريه يعود ريعها على المحتاجيين. اذا كان ايام الخليفه عمر بن عبد العزيز لم يجدوا احد يحتاج للزكاه. فلو طبق الاقتصاد الاسلامي فلن نجد فقراء


حسن اسعد الفيفي
ابلاغ
06:10 صباحاً 2008/04/16

 


الله اكبر.
.
يا ليت من أتبع هواه وأتبع الدول الغربية يقرأ هذا المقال.


ابو نايف
ابلاغ
06:17 صباحاً 2008/04/16

 


عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَبْقَى أَحَدٌ إِلاَّ أَكَلَ الرِّبَا فَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أَصَابَهُ مِنْ بُخَارِهِ ». قَالَ ابْنُ عِيسَى « أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ ».


عادل الصقر
ابلاغ
10:54 صباحاً 2008/04/16

 


شكرا يادكتورنا الفاضل،،
مقال رائع بحق،، تتلذذ بقرائته عشرات المرات،، وفي كل مرة تخرج بفائدة !!
وفقك الله،، وخدم بك الدين،، امين


asd
ابلاغ
12:02 مساءً 2008/04/16

 


أشكرك على هذا الطرح.فيما يبدو أن الربا تم تحريمه بسبب إستغلال الفقراء والمحتاجين في ذلك الوقت,ولم يكن هناك حاجة لاقتراض الاغنياء...( ليربو في أموال الناس أضعافا" مضاعفة ).لهذا جائت آيات الربا بعد آيات الإنفاق والصدقات والعفو.
أما النظام المالي(في المعاملات المعتمدة من الفقهاء)فهي الاستغلال بعينه لحاجة الفقير والتاجر,حيث تصل الارباح(المضمونة) بين 20 إلى 40% سنويا".
في رأيي أن النظام المالي لايدخل ضمن الربا المحرم,حيث أنه يلبي حوائج الناس بدون إستغلالهم تحت إشراف الحكومة.والله أعلم


عبدالعزيز الحقباني
ابلاغ
01:26 مساءً 2008/04/16

 


الجزء الاخير لم افهمه ؟؟
ما المغزى


عبدالله
ابلاغ
01:39 مساءً 2008/04/16

 


لا ادري يا دكتور لماذا تصر على امر اتخذ منه موقف واضح من جمهور العلماء في هذا العصر و>المجامع


ممدوح العنزي
ابلاغ
03:44 مساءً 2008/04/16

 10 


اشكرك هذا هو دور الباحث الحقيقي بان يتحدث عن مايراه دون اعتبار على ماورث من الاباء ( هذا مألفينا عليه ابائنا). د. حمزة إني ارى فيك غاليلو الذي قاوم المعتاد وتحث بمكنون رأيه
هناك كثير يخسرون من كلامك هذا والله يستر عليك منهم...هنك كثير يؤمنون بكلامك خصوصا من النخب ولكن تنقصنا الجرأة لقول الحقيقة مثل مافعلت.سوف يتحرر إقتصادنا ونصل إلى أمكانياتنا بأناس مثلكم دعائي لك بالتوفيق.دائما استقبل مقالاتك بشوق لما تحويه من عصف ذهني ممتاز واصل المسيرة ارجوك
Money should have a time value...true


محمد الشمري
ابلاغ
03:51 مساءً 2008/04/16

 11 


انت غالليلو جديد...واصل المسيرة ارجوك لتبيان الحقيقة وفضح المنتفعين...ماتقوله هو الحق فالنقد عبارة عن سلعة كاي سلعة ولايجري فيه علة الربا كالذهب والفضة وكذلك لاتنطبق عليه علة الثمنية.اننا بحاجة ماسة لامثالك لاطلاق قدرات الامة.فاجوك واصل المسيرة...لو استطعت بايضاح هذه النقطة للجميع لاستطعت تغير الشرق الاوسط باكثر مماغير الامبراطور ميجي اليابان ويجب ان تعلم بانك لو قضيت بقية العمر لتبيان هذه الحقيقة الناصعة لسجلت اسمك باحرف من ذهب في تاريخ المنطقة وكذلك في الفهم الصحيح للشرع المطهر


محمد الشمري
ابلاغ
04:10 مساءً 2008/04/16

 12 


لو كان مقالك هذا قبل عشرون سنه لرئيت له مستمعون كثر ولكن الآن وبعد نجاح الاقتصاد الاسلامي والمصارف وخدماتها الشرعية واصبح مجموع ما تتحكم به من استثمارات يتجاوز ميزانية دول الخليج مجتمعه بل واصبحت عالميه واعترف بها الآن رسمياً في قلب العالم الغربي بريطانيا!!فالأمر فات كثيراً ومقالك خارج الزمن، يا دكتور من تتدافع عنهم اصبحوا الآن يفتحون خدمات على الطرق الاسلامية فما فائدت كلامك، وقلي بالله عليك ما المشكله الكبيره في الخدمات الاسلاميه اليوم وما الذي سيفضله العقل ويرتاح له القلب؟.المرابحه حرام لديك؟


ممدوح العنزي
ابلاغ
04:16 مساءً 2008/04/16

 13 


واحل الله البيع وحرم الربا
بين الربا والبيع شعره بسيطه لابد من الاهتمام بها وعدم تجاوزها
ابو عبدالله


عبدالرحمن عبدالله الحبيب
ابلاغ
09:15 مساءً 2008/04/16


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الرياض الاقتصادي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية