أمريكا.. الصديق.. العدو!!
لم تُثر أي قوة في العصر الحديث مثل ما أثارته أمريكا في العالم، وحتى مع بدايات ظهورها للعلن وسن دستور متقدم في إقرار حقوق الشعوب وتقرير مصيرها، ثم دفاعها عن الحريات، فإن هذه كانت مجرد إشارات تغيرت مع طبيعة اشتراطات القوة وأهدافها..
فبعد آخر حرب عالمية، وخروجها للعالم بالزعيم المطلق حتى بوجود الاتحاد السوفياتي توالت سياستها خارج ما كانت تبشّر به، أو تجعله منهجها ودستورها العالمي، وعندما عادت أوروبا إلى نقطة الصفر بعد تلك الحرب، أنشأت أمريكا منظوماتها الاقتصادية والسياسية، وخلفهما قوة ضاربة أعطتها حق الزعامة والكبرياء..
وكأي امبراطورية عظمى، بدأ لديها مسلسل الأطماع، وإثارة الحروب، والدفاع عما تسميه بالعالم الحر، لكن تلك الأغطية من المبررات جعلتها تغيّر خط سيرها، مما وضعها في صورة الدولة الاستعمارية الكبرى التي تريد الهيمنة على العالم وفق رؤية أحادية هي خليط من عقل توراتي قديم وآخر يندفع بغرائزه ولا يحدّه منطق الحاجات والمآزق، ومن هنا وقعت في العديد من الأخطاء التي وضعتها شيطاناً آخر على العالم كله..
في المملكة نحن أقدم دولة تعاملت مع أمريكا ودون تحفظ في بدايات تلك العلاقة، وأول زعيم عربي يطرح مشكلة فلسطين بلا مواربة وبشكل علني، ومكشوف جلالة المغفور له الملك عبدالعزيز، وقد تتالت وقائع وظروف لم تكن أطباقاً من عسل ولا خلاصة مرارة حادة، لكنها كأي رياح تتغير طبقاً لواقع يتبدل، فإن البلدين غالباً ما يسويان مشاكلهما بروح المسؤولية والمصالح المشتركة، وبالتالي ليس بالضرورة أن تتطابق الأفكار والأهداف إذا ما وجد ما يعارضها، وهنا نقول إن العلاقة مع الدولة العظمى ضرورة ليس فقط من أجل ردع الآخر، وهي التي تقف في صف إسرائيل علناً وبدون تحفظ وهي عدو بمنطق التاريخ والواقع للعرب، ومع ذلك فقد تحالفنا مع أمريكا في مواقف ضد الشيوعية والنازية وجنون صدام باجتياح الكويت، لكننا رفضنا قيام علاقات مع إسرائيل إلا ضمن حل للقضية الفلسطينية، ولم ننجر في صدام سياسي، أو قطيعة مع إيران تلبية لرغبات أمريكية، لكننا، في نفس الوقت، لا يمكن أن نصل بالقطيعة معها إلى دعوات مراهقة بقطع النفط أو إعلان الحرب السياسية عليها تلبية لرغبات لا تزال تعيش ظل تلك المراهقة السياسية القديمة في صراع الغرب والشرق المنتهي أصلاً من خارطة طرفيء العداء القديم..
الحديث عن علاقات ضرورة بين البلدين لا تمليه فقط الزعازع التي تجري في المنطقة، والتي يظل أحد أسبابها تعمّق التدخل الأمريكي، لكن هناك ما تمليه الظروف، أي أننا إن سلّمنا أو رفضنا بقوة وجود أمريكا في السلام فإننا نجافي الحقيقة، لكن مثل هذا المجهود يحتاج لعرب لا يقبلون بإملاءاتها عليهم، ولا القطيعة معها، وهذا التوازن في العلاقة يحتاج إلى أصدقاء فاعلين معها تحتاجهم ويحتاجونها، وبالتالي فحين تتكلم أمريكا عن نفس الضرورات، فإن الأهداف ربما تتلاقى، وهنا تأتي فاعلية حسم القضايا بالتراضي والدبلوماسية الواقعية، لا العكس..
وحين نقول إن أمريكا ضرورة، فإننا لا ندّعي أننا نخفي مثل هذه الحقيقة لكن ما يميزنا أننا ندير تعاملنا بوعي المصالح لا نقيضها..