موضوع مدارس التربية، خرج من عباءة علم الاجتماع إلى منهج مستقل بأدواته وآماله وكما حدث في توسع مدارس الاقتصاد وعلوم الاجتماع والسياسة، شمل هذا التطور التربية بأشكالها المختلفة..
فهناك المدرسة العسكرية التي اتخذت مبدأ الصدمات وردود الأفعال كقيمة ذاتية أمام اتخاذ القرارات الصعبة سواء للفرد، أو السياسات العليا، وكيف يتصرف الجندي والقائد تجاه مفاجآت غير محسوبة، ومن هنا جاءت صرامة الدرس عندما يطالب المدرب تلاميذه بإفراغ الغرفة من الهواء بواسطة النفخ بالفم، أو إخراج مياه مسبح ما بملعقة شاي صغيرة، وبجانبهما الزحف على الركبتين ومواجهة الكلمات النابية، والخروج "للطابور" منتصف الليل أو زمن تعامد الشمس بالصيف، ولعل هذه الصرامة غالباً ما تعطي المدرب صورة السادي أو المتسلط، وقد عارض هذا السلوك الذي انتقل إلى معظم الدول العربية من بريطانيا، الكثير من التربويين بمن فيهم أصحاب التربية العسكرية..
أما المدرسة الحزبية التي تجعل ولاء الفرد لأيدلوجيةٍ تطاع تعاليمها ولا تناقش، فإن ما أفرزته النازية والفاشية، وكذلك الشيوعية، ولاحقاً المنظمات السرية المتطرفة، حولت الإنسان إلى وعاء تُجري عليه النظريات والتعليمات من خلال ملئه باتجاهات فكرية تؤدي إلى الانتحار فداء للحزب أو المنظمة كبطل أو شهيد، وهي كأي تنظيمات شمولية أو جبهوية تناسلت من مراحل تواريخ قديمة، واستطاعت غسل الأدمغة بمشروع إذابة الفرد بالأكثرية الشعبية، وبقيت حتى عصرنا الراهن..
وهناك التربية العامة، والتي تؤصّل لنجاح مجتمع ما والقفز به من حاجز التخلف إلى التطور الكبير، وهي خلاصة تجارب عالمية خضعت لتطبيقات مستمرة، وصارت أحد أهم السباقات في التطور العلمي والأداء العملي، ومع أن صلاحيات المعلم وتطبيقه المنهج والدور التبادلي في النجاح مع الطالب وخلق بيئة تربوية ناجحة، تختلف من دولة لأخرى، فإن الأوروبيين والأمريكان، وهم بناة ركائز التربية الحديثة تركوا للفرد الحرية في التخصص وبوجود نواة الموهبة تقابل بالتشجيع والدعم، واستطاعوا بهذا الأسلوب، الحصول على عقول كبيرة من دول العالم الثالث، إلى جانب النابغين من شعوبها، ومن خلال هذا التطور حدثت النتائج في البحث العلمي وتطبيقه في ميادين الإنتاج، وقد لحقت دول آسيا بهذا النهج وأحدثت تغييرات وضعتها في حقل السباق بوضع الأفراد والجماعات هدفاً في سرعة تطوير وتثمير التنمية البشرية عندما أعلنت ثورتها العلمية الجديدة..
الجامعات العربية، وقبلها التعليم العام، وكذلك المناهج والبيئة التربوية العامة لا تزال تقليدية، ولذلك جاء تصنيفها متخلفاً، والأسباب كثيرة يصعب إيجازها في سطور، لكن هناك جزئية صغيرة، أدت إلى فصم العلاقة بين أستاذ الجامعة، والطالب عندما تحولت سلطة الأستاذ إلى استبداد تام لا يناقَش، ولا يحاوَر على تصرفه، وهنا انعدمت أهم عوامل التربية التي تخلق مدرسة الحوار، والتي من خلالها يتكوّن سلوك تربوي ديمقراطي يمكن أن يصبح الوسيلة والهدف إلى مجتمع أكثر نضجاً وتطوراً..