الرؤية بعيون مغمضة...
د. مطلق سعود المطيري
أستأذنكم الكتابة، ولكم حرية القراءة..
ليس لأن هذه هي المرة الأولى التي أطل عليكم فيها من "الرياض"، بعدها قد نعتاد، وإنما لأنني ربما أحاول أن أتجاوز المألوف إلى الضارب في المجاز...
كثيرون الذين تغزلوا في جمال العيون، نعمة الخالق ومعجزة الخلق، فتلك الحبة الصغيرة، بؤبؤ العين، تتسع لاستيعاب عوالم شاسعة، الأرض والسماء بكل ما فيهما من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والبحار والمخلوقات والمباني الشاهقة والمدى والأفق كلها تدخل العين عبر ثقب بالغ الصغر، نلامسها ونتجول بينها، ربما في وجودها خارج العين أو ربما في وجودها داخلها، ولا أحد يعرف كيف..
وكثيرون تغنوا بجمال ما تراه العيون وسبحوا باسم الخالق حمداً على ما وهب، ولهذا أدركوا أهمية العين في الرؤية فابتدعوا وسائل تقوي من قدرة الإبصار وتمد أمامه أفقاً أبعد.
لكننا على جانب آخر يفاجئنا فعل الأمر: "اغمضء عينيك، ودع الخيال يهيم، فقد يأتيك بطيف يعشقه فكرك" دعوة شاعر غريبة إلى إغلاق العين وإطلاق الخيال القادر على استجلاب صور المحال ورؤاه، لأن العين تتخير من الوجود نصفه الماثل أمامها، وكل ما يقع خلف الرأس واقع في ظلمة تمحوه أو تغيّبه فلا يمسك بشيء منه إلا عبقري أو مجنون؟
فيلسوف فقأ عينيه، ولما سألوه قال لأن البصر يحد من الرؤية، وعربي ربط اتساع الرؤية بضيق العبارة، لأن اتساع الرؤية يخرج عن المادي الماثل إلى الميتافيزيقي الهارب، ونحن بين اتساع الرؤية، وضيق العبارة، يغوينا الشاعر أن نفرد أجنحة للخيال ونحاول الإمساك بأي طيف قد يعشقه الفكر.
العبقري والمجنون يستويان، هذا ينظر أمامه ولا يحتمل، وذاك يتأمل خلفه، ولا يستوعب، وبين الاثنين رحلة المتعة والعذاب معاً التي يقطعها الشاعر كل مرة، سفر دائم بين الحلم المهزوم في تبدياته المحمومة، وبين ذكريات البعيد الجاثمة أبداً، والقابعة في أغوار الظلمة السحيقة، من أجل أي شيء؟ وصيده الثمين ليس إلا فراشات تائهة!
أفلاطون والفارابي صوّرا عالماً للمثل، لم ير أحدهما شيئاً منه، وتوماس مان أطلق لخياله عناناً منفلتا وهو يحكم تأسيس يوتوباه التي بقيت في كل شعر الدنيا "يوتوبيا ضائعة" مثلما في كل أحلام البشر..
الذين تركوا رموز الأصوات وقدرتها على التواصل عبر اللغة، وأمسكوا كطفل عابث بأعواد الثقاب فرشاة ولوناً، رسموا بيوتاً ليس لها وجود، أشكالاً تستعصي على رؤى الأحلام ثم قالوا: "هذا هو البديل لحياة لا تطاق"، عباقرة هؤلاء أو مجانين رأوا ما لا تراه منا العيون، ويقدمون لنا دائماً دعوة مجانية للدخول إلى هذا العالم السحري ومشاركتهم بعض الحياة فيه، حقيقة يقدمون دعوة للجنون، وأنصحك بالحذر..
العازفون والموسيقيون المبدعون يمدون طرف الأنامل ويمسكون بالنغم في جوف فضاء صامت، أو ضاج بفوضى الأصوات، ويقدمون بناءً عذباً وجميلاً لم يره منا أحد ولم يسمعه، من أي الينابيع السحرية تتفجر لهم هذه الألحان؟ ونحن الذين تعودنا أن نسير مدققة عيوننا في كل خطوة قبل أن ننقل القدم؟
القدماء عرفوا "الموسيات"، إحداهن رمز للتاريخ وأخرى للموسيقى وثالثة للملهاة ورابعة للمأساة (في المسرح) وهكذا، هؤلاء هن اللائي سيقدننا إلى أرض المحال البكر التي ما وطأتها قدم، ويشرن لنا إلى حيث ينبغي أن نتأمل، لنرى الممالك المسحورة التي لا تُرى بالعيون، ولك أن تصحبني إذا شئت، أو ترى ذلك دعوة أخرى لجنون آخر في خروج سافر عن النص فتتركني أجول وحيداً مثلما كنت قد تعودت...