د. هاشم عبده هاشم
@@ تتشابك العلاقات الدولية تشابكاً قوياً.. وشديداً.. وتتعرض نظريات "السيادة" و"الاستقلال" لهجمة عنيفة بفعل توجه الدول والشعوب نحو مزيد من التعاون والتكامل وسياسة الاعتماد المتبادل، في ظل الحاجة إلى ترسيخ المصالح المشتركة.. سواء على المستويات الثنائية أو التجمعات الإقليمية والدولية..
@@ ولا يغرب عن بال أحدنا.. أن الدول تعمل بكل قوة.. وبوسائل مختلفة للحفاظ على الحد الأعلى من المصالح لها مع الدول الأخرى.. وقد تخصص ميزانيات ضخمة.. وترسم خططاً واستراتيجيات معقدة وطويلة المدى.. تحقيقاً لهذه الغاية..
@@ ودافعها في كل ذلك هو "الأطماع التوسعية".. أو نظريات الحفاظ على الأمن والسلامة الوطنيين.. أو الهيمنة وحب السيطرة، والوصاية أيضاً..
@@ هذه الحقائق.. معروفة.. وقائمة في العلاقات الدولية..
@@ لكن المملكة العربية السعودية.. تعتبر حالة استثنائية غريبة..
@@ وسوف أسمح لنفسي بالقول بأن "المنهج المثالي" الذي نتبعه في سياستنا الخارجية وإن انسجم مع أنماط التفكير السائدة في بلادنا، إلا أنه لا يخدم مصالحنا الحقيقية بدرجة أساسية ولا يعود على البلد بأي فائدة..
@@ والأنموذج الواضح في هذا الآن هو: الدعم السعودي المفتوح للبنان.. سواء كان هذا الدعم مادياً.. أو سياسياً.. أو إنسانياً..
@@ فرغم التضحيات الكبيرة..
@@ ورغم عدم تحقيق المملكة أي مكاسب من وراء هذا الدعم، كما تفعل جميع دول العالم، إلا أن هناك - حتى داخل لبنان - من يغمز ويلمز هذا الدعم اللانهائي..
@@ فما هي مصلحتنا في أن نرمي بثقلنا وراء لبنان حتى ينال عافيته..؟
@@ وبدلاً من أن يقال لنا: أحسنتم.. ولا حرمنا الله من إخوتكم.. ويدنا في يدكم من أجل إنقاذ لبنان من الكوارث المحيطة به.. فإننا نسمع من ينظر إلى كل ما قدمنا ونقدم على أنه يشكل تدخلاً في شأن لبنان..
@@ وعلى أية حال.. فإن المملكة عودت نفسها على أن تسمع الكثير من الهراء.. ولكنها لا تلتفت إليه.. لأنها دولة مبادئ.. وإلا فإن ما تواجهه في أكثر من موقع.. وأكثر من ظرف.. إنما يمثل الجحود والنكران بأبشع صوره..
@@ ولمن يتساءل: لماذا تقف المملكة بمثل هذه القوة من أجل لبنان، ولا سيما الآن.. فإننا لا بد وأن نذكّره بأننا البلد الذي استضاف مؤتمر الطائف عام (1989م) وأخرج لبنان من كوارثه وحروبه الأهلية.. وأننا أحد أطراف اللجنة الثلاثية المكلفة بمتابعة الوضع في لبنان.. وأننا كنا نتحمل مسؤولية رئاسة القمة العربية إلى ما قبل انعقاد قمة دمشق الأخيرة.. وأننا أول دولة تعرب عن موقفها الصريح لرفض الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام (2006م) وفي نفس الوقت نددنا بالمغامرة غير المحسوبة التي أدت إلى خراب لبنان ودماره.. وأننا البلد الذي ضخ في الخزينة اللبنانية آلاف المليارات لإعادة إعماره.. سواء بصورة مباشرة.. أو عبر مؤتمري باريس.. أو من خلال المساعدات العينية المختلفة..
@@ هذا الكلام أقوله ككاتب.. وكمواطن سعودي.. ولا تقوله الحكومة.. لأنها تعودت على التواضع وعمل الكثير بصمت.. ودون انتظار مقابل سوى تكلل جهودها بالنجاح لإنقاذ الآخرين من مغبة أزماتهم..
@@ وأنا حين أقول ذلك مضطراً.. فإنني أخرج بذلك عن دائرة السلوك السياسي الرسمي لأتحدث ك (مواطن) وبمرارة عن ألمي الشديد لما يحدث..
@@ فالمملكة التي قدمت وتقدم الكثير.. ليس للبنان فقط.. وإنما للكثيرين غيره.. بحاجة إلى أن تفكر بطريقة مختلفة وأن تعمل وفقاً لمصالحها.. وليس لمثالياتها.. وإن كنت أعرف أن ذلك صعب جداً.. لأن الفكر الذي تعتمده "فكر" "قيمي".. ومن الصعب إعادة تشكيله وتغييره.. وتلك هي المشكلة..
ضمير مستتر:
(الطيبون.. ينالون ثمن طيبتهم حباً.. وإعزازاً في وقت يتساقط فيه الأشرار واحداً بعد الآخر..)