هناك من يرى بأن بعض جهاتنا تعاني حقا من أزمة إدارية تسببت في فشلها في أداء مهامها، ويرى آخرون بأن لدينا إبداعاً غريباً ومتميزاً في إدارة الأزمات التي نمر بها بتفاعل جميع أجهزتنا (ومنها من ليست له علاقة بالأزمة) للمشاركة في إنهاء أزمة فقط لكون الجهات العليا وجهت بحلها! ولكن دعونا ندقق أكثر ونقيم أوضاعنا بعد تلك الأزمات! لنحدد هل نجحنا حقا بإنهائها أم أن كل ماتحقق هو تكييف المجتمع على التعايش معها!!
فإذا عدنا إلى الأزمات التي مررنا بها مؤخرا فإننا سنجد بأن لدينا رصيداً وافراً منها وهو مايثبت بأن لدينا أزمة إدارة! فمن أزمة الأسهم ثم المسكن مررنا بالاسمنت والحديد والأدوية والشعير والأرز والحليب والعمالة السائبة والدقيق..الخ، وأمام التفاعل الكبير من جميع جهاتنا تجاه تلك الأزمات والتركيز الإعلامي على وعود مسؤوليها مع كل أزمة، تأكد لنا عدم وجود إبداع في إدارة تلك الأزمات كما يتصور البعض، بل المؤسف أن الجهة المختصة والمسؤولة عن ظهور الأزمة أصبحت تفخر بما قامت به لمواجهتها وتدرجه كإنجازات، في حين أن سبب نشوء الأزمة هو فشلها وتجاهلها لكل المؤشرات التي تسبق أي أزمة! فتفاعل كل الجهات المختصة وغير المختصة أصبح الهدف منه إما للإبراز الإعلامي للجهود التي بذلت او للاستفادة مما تخصصه الدولة من أموال استثناءً لمواجهة الأزمة، تلك الحقيقة لكل ماتحقق فعلا! ومما يؤكد صحة ذلك هي الإجابة على التساؤل التالي : هل نجحت جهاتنا في التغلب على الأزمات التي مررنا بها؟
إننا إذا استعرضنا أزماتنا فسنجد أن أزمة سوق الأسهم لم تحل حتى الآن على الرغم من مرور أكثر من عامين بسبب التهرب من التشخيص الصحيح لمشكلة السوق وبالتالي تسببت كل الحلول التي اتخذت في زيادة حجم المشكلة لتحدث عدة انهيارات في العام الواحد! فأصبح الكبير يربح أموال الصغير بطرق رسمية! بطرح شركاتهم بعلاوات عالية او بتحسين أوضاعهم بشركة تامين! وإذا توقفنا عند أزمة المسكن للمواطن فنجد أن هذا الموضوع شهد إبرازاً إعلامياً كبيراً طوال السنوات الأخيرة ولكن ماذا تحقق؟ لقد أبرزت مشكلة ارتفاع الإيجارات وأسعار العقارات بشكل مبالغ فيه استنادا على توقعات كبار ملاك العقار بمواصلتها للارتفاع لأرقام خيالية لخدمة كبار الملاك بدلا من المواطن المحتاج للمسكن! فأصبح ملاك العقار غير مقتنعين بأي سعر يحصلون عليه بل يطلبون المزيد، كما أن الإيجارات رفعت بنسب عالية استنادا على المتداول إعلاميا، ولم يتم التركيز على إبراز آلاف الفلل والشقق الخالية! واستغلت الأزمة لتمرير تأسيس شركات عقارية بالمليارات وبتقييم عال لأراضيهم ومع ذلك لم نشاهد عمل تلك الشركات! وحاليا تبذل الجهود لتمرير الرهن العقاري الذي سيرفع الأسعار! فهل تلك الحلول ساهمت في إنهاء الأزمة ام في زيادة حجمها؟ ولاننسى أزمة الأرز التي كسبت التعاطف الرسمي بعد تضاعف أسعاره وفشل سياسة البحث عن الأرز البديل الذي كان الجاهل يعلم بأن سعره سيرتفع طالما أن أنواع الأرز الأخرى ارتفعت! فتم إقرار الدعم والسعر كان بحدود (220) ريال وبدلا من نزول السعر وجدنا من يجفف الأرز ويخزنه ويمنع إخراجه من الموانئ! فكنا نتعجب ممن يخزن الأرز والدولة ستقدم إعانة لما سيتم استيراده ونسينا بأن سوقنا حر! فارتفعت أسعار الأرز حتى (290) ريالا ليأتي القرار أخيرا كمكرمة للمواطنين بشمول الإعانة لما هو مخزن! بصراحة ثروة هائلة حققها التجار لكونها ستشمل المخزن من سنتين وبتكلفه (100) ريال! وفي أزمة حليب الأطفال الذي أعلن عن إعانته منذ أشهر، فكل ما حصلنا عليه هو تضاعف السعر، والشعير الذي تمت زيادة قيمة الإعانة فقامت الدولة المصدرة برفع السعر! ولاننسى ايضا الضجة الإعلامية بسبب ارتفاع أسعار الألبأن والحليب والحديد والاسمنت فماذا حققت؟ هل نتذكر الوعود بتخفيض أسعار الأدوية قبل أشهر؟ أم يجب ان يتم تجفيف الدواء لنقدم له إعانة! إن الإبداع الذي حققناه مع الأزمات هو نجاحنا في تثبيت الأزمة كواقع وبالأسعار الجديدة وليس كأمر طارئ كان يجب أن يعالج بالرقابة وبالمحاسبة للمتسبب!
إن مشكلتنا هي في أن أزماتنا أتت في وقت الطفرة والتي لانعلم كيف ستصبح عليه أوضاعنا لو حدثت تلك الأزمات في أوقات عصيبة! ولكن لأننا في سنوات طفرة لم نحاسب أجهزتنا الخدمية على فشلها بل كافأناها باقتراح سحب الجزء المقلق والمتعب لمسؤوليها وإحداث أجهزة جديدة لها! فمع كل أزمة أصبحنا ننشئ جهازا إداريا مستقلا فهناك هيئة للغذاء والدواء ومكافحة الفساد والإسكان وغيرها وحاليا هناك من يطالب بفصل التجارة عن الصناعة وقد نسمع بمن يطالب بإنشاء شركة مقاولات حكومية لتنفيذ المشاريع المتعثرة! ولكن من المؤكد انه بعد سنوات سنعيد دراسة الوضع لنلغي هيئات وندمج وزارات، ولتذهب سنواتنا في تلك التعديلات بتجاذب الاختصاصات وسقوط المسؤوليات بسبب تلك التغييرات!
إن تعدد الأزمات التي مررنا بها مؤخرا يثبت بأن لدينا أزمة حقيقية في إدارة الأجهزة الخدمية! فجميع تلك الأزمات لم تخرج فجأة بل كانت هناك مؤشرات واضحة لمشاكل تحولت بإهمالها الى أزمات كبيرة، فصحفنا كل صباح كانت تحمل تلك المؤشرات ومقالات كتابها كانت تشخصها وتحذر من تجاهلها وتدعو مسؤوليها للتدخل لإنهائها في مهدها (مثل مانشر قبل أشهر عن تهريب الدقيق لدول مجاورة فلم نتنبه لذلك إلا بعد الأزمة) فالعقلية التي تدير معظم أجهزتنا الخدمية تهمل الرقابة والمتابعة لمايحدث في النشاط الذي تشرف عليه إلى أن تتلقى من جهات عليا شكوى رسمية بحدوث الأزمة! أليس ذلك فشلا إداريا مازلنا نعاني منه! ثم هل المشكلة في المسؤول الأول بالجهاز ام في المسؤولين التنفيذيين وفكر اللامبالاة بالمسؤولية! ثم لماذا نجد انه عندما يتغير المسؤول ويأتي من خارجه لتصحيح الوضع نفاجأ بأنه يسير على مسار سابقيه! إذا السبب الحقيقي في ذلك قد لايكون في الأشخاص إنما في الفكر الذي يدار به الجهاز! ومهمة المسؤول الجديد فحص الفكر والقناعات المسيطرة على الجهاز! وهنا فكل ما نأمله من معالي وزير التجارة والصناعة الأستاذ/ عبدالله بن احمد زينل هو القيام بفحص الفكر الذي يسير الوزارة ليتم إدخال فكر جديد يشخص مشاكل أسواقنا بواقعية ويضع حدا للتلاعب الذي يجري بها بدلا من الاستماع لمن يرغب في تحويل الأنظار عن ذلك بالمطالبة بإنشاء وكالة بالوزارة لحماية المستهلكين او هيئة لإدارة الأزمات!!