الجمالية..
الشاعر في توجهه إلى الإعلان عن ذاته من خلال بوحه عبر شعره بالطريقة المناسبة لحالته النفسية ومدى استعداده لرسم الموقف الذي أملى عليه تلك الشحنات التي توالت لتدفع به للقول شعراً هو في عمقه ما يشبه الإطار الذي يحتوي في مساحته على صور شتى تدفع إلى الإعلان عن مكنون الذات بطريقة يرتاح إليها لتكون عملية تواصل بينه وبين الآخر يتحرى من خلالها التوجه إلى التعبير مستعيناً بالجمالية في الأداء ، فهو يحاول العناية والتركيز مع المراجعة والتدقيق بعد إفراغ الشحنات لكي تكون القصيدة أو المقطوعة قد أخذت الشكل الذي يرتضيه (هو) ومن ثمَّ يتحسس درجات القبول عند الآخر، وكلما اتضحت لديه الرؤية، وتأكد من القبول، ازداد في إمعانه واجتهاده لكي يعطي ما هو أفضل، وما هو أصدق مع ذاته مما يجعل أشعار القليل هي التي تلقى الترقب المستمر والترحاب من المتلقين لأنها تمس ما هو كامن في تصور الآخر نظراً لما حملته من صدق في طياتها.
فالجمال من أهم الأسس التي ينبغي للشاعر احترامها والمحافظة عليها، وهو يحرص على ذلك إذا كان شاعراً يعي مسؤوليته الإبداعية، لأن الجمال أصل من أصول الشعر الحقيقي في أشكاله المتعددة (تقليدي/تفعيلي/قصيدة نثر) فلا شعر بدون جمال ظاهر يؤكد مصداقية الشعر، كالرؤية والصور والقواعد والأخيلة، لأنها من أهم الجماليات التي تؤكد الشعر وترسخه في أذهان الآخذين، وهذه يدركها الشاعر كما يدركها القارئ الواعي المثقف تذوقاً ومن خلال تجربته في التعامل مع العطاءات قديم/جديد وكذلك من جراء الإنارة التي يقوم بها الناقدون ذوو القدرات في تناول الأعمال الجمالية - ولو أنهم قلة - لأن عمليات التراكم الذوقي والمعرفي من قبل الفرد والاعتماد بالجماعية توصل إلى منظور فني سام في عالم الشعر الفسيح والذي أخذت تتشعب فيه الرؤى والمقاييس المستوردة أحياناً والمختلفة أحياناً أخرى، والأخيرة أشد ضرراً لأنها تأتي من شواذ يدعون المعرفة بينما الحقيقية تنفي ذلك عندما تكون المواجهة لأن الجمال لا يخفى والمتعامل مع ما يبرز من خلال ما يقدم والآخر هو الذي يقرر أخيراً عن طريق التعامل مع العمل المنتج.