د. صالح النملة
* نتابع اليوم الحديث عن التوحش داخل السياسة الأمريكية السرية في الاستجواب والتعذيب في الحرب على الإرهاب حسب ما كتبته المؤلفة "تاراميكليفي"، حيث تقول على الرغم من أن الحديث عن التعذيب في سجن أبو غريب وغيره من مراكز المعتقلات الأمريكية كان شائعاً داخل صفوف الجيش الأمريكي ومنظمات حقوق الإنسان، إلا أن ذلك الحدث لم يصبح قضية رأي عام إلا بعد ظهور الصور الشهيرة لمعتقلي سجن أبو غريب (وتلك الصور تم تسريبها لوسائل الإعلام الأمريكية بطريقة لم تفصح عنها المؤلفة). فالكاتبة تشير إلى أن أحد أفراد الشركة العسكرية الذي اطلع على بعض الصور أحالها إلى المحقق العسكري في الجيش الأمريكي الذي فتح بدوره تحقيقاً في الموضوع. وكما هو متوقع من المؤسسات العسكرية والسياسية الأمريكية، فقد كانت ردة الفعل تتمثل بإدانة مثل تلك الأعمال وفتح التحقيق بالموضوع ومن ثم إلقاء المسؤولية على عدد قليل من المحققين، الحراس والمتعاقدين الأمنيين، وفي الجهة المقابلة، لم يتعرض مسؤول كبير في وزارة الدفاع أو الجيش الأمريكي أو حتى الشركات الأمنية للمساءلة القانونية، ثم تشير الكاتبة إلى أن الصور التي ظهرت في وسائل الإعلام لا تشكل سوى نسبة صغيرة من صور التعذيب والامتهان للمعتقلين في السجون الأمريكية داخل العراق. كما أن هناك، حسب شهادة عضوة الكونغرس الأمريكي باربرا بوكسر، أشرطة فيديو لعملية اعتداء جنسي على طفل قاصر واغتصاب نساء عراقيات. ولكن جميع تلك الأدلة والأشرطة منعتها الحكومة الأمريكية من الظهور حتى لا تخلق مزيداً من العداء للقوات الأمريكية في المنطقة وبهدف حماية النساء في الصور من الانتقام الأسري.
نقول هذا الكتاب يحمل أهمية كبيرة من زاوية الإعلام الخارجي والسياسة الخارجية. فمن يقرأ هذا الكتاب قد تتغير نظرته لملابسات الاحتلال الأمريكي للعراق. فهذا النوع من الكتب يلقي الضوء على التفاصيل الدقيقة لسلوك قوات الاحتلال تجاه السكان المحليين وبالتالي تفتح المجال لمعرفة البعد النفسي للحدث فالأحداث التي أشارت إليها الكاتبة إضافة إلى ما تناقلته وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان عن ممارسات قوات الاحتلال في العراق كثيرة وعلى درجة من البشاعة تجعل من الصعب على المراقب أن يعتبر تلك الممارسات أحداثاً فردية معزولة.
ودون الدخول في دائرة نظرية المؤامرة، فإن ما يحدث في العراق هو نوع من الانتقام من العرب تحديداً والمسلمين. ويجب أن لا ننسى أن جميع المتهمين بأحداث 9/11هم جميعاً عرب. احتلال وتدمير أفغانستان لم يكن كافياً. العراق كان هدفاً مثالياً للأمريكيين لما يمثله من دلالة حضارية للعرب. كاتبة هذا التقرير كانت تقيم في الولايات المتحدة قبل الحرب على العراق بعدة أشهر وكانت تعي الجو الاجتماعي العام في الولايات المتحدة الذي كانت تحكمه الرغبة في الانتقام لأحداث 9/11وتلك الرغبة في الانتقام كانت شائعة ليس بين عامة الشعب الأمريكي فقط بل حتى النخب السياسية والفكرية. "توماس فريدمان" كتب عاموداً في جريدة نيويورك تايمز خلال الحرب على العراق جاء فيها أن أسلحة الدمار الشامل والارتباط مع القاعدة كانا سببين خاطئين للحرب. أما السبب الحقيقي وهو سبب غير معلن، فقد كان تلقين العرب درساً حول قدرة القوات الأمريكية على سحبهم من بيوتهم وإذلالهم حتى لا يمجدوا العمليات الإرهابية ويسموا الإرهابيين شهداء.
المراقب لتلك الأحداث لا يمكن أن يتجنب العديد من الأسئلة، هل فقد الجيش الأمريكي القدرة على السيطرة على جنوده ومحققيه في العراق؟!!، من الذي خلق بيئة تفتقد للحد الأدنى من التنظيم واختيار حراس ومحققين ومترجمين يفتقرون للحد الأدنى من التدريب في التعامل مع المعتقلين؟!!. لماذا كان هناك الكثير من المعتقلين من الأطفال والنساء وكبار السن الذين أخذوا من بيوتهم وليس من ساحات المواجهة؟!! لماذا تم الاعتماد على وسائل إذلال للإنسان وصلت إلى درجة اغتصاب الأطفال والنساء وتعرية الرجال وتصويرهم بالفيديو والصور الفوتوغرافية؟!!، هل فعلاً فقد الجيش الأمريكي السيطرة على المعتقلات الأمريكية في العراق لدرجة تصوير مشاهد اغتصاب للأطفال؟!! كيف تسربت تلك الصور من سجن أبو غريب؟!!، لماذا تم الاقتصار على صور الرجال العراة فقط وتم إخفاء صور النساء والأطفال؟!!، السبب قد يكون هو أن الهدف من الصور هو إذلال المجتمع عن طريق رجاله وتحديداً عن طريق الجنس وهو جانب بالغ الحساسية في الثقافة العربية. والاحتمال وارد أن تكون هناك فوضى وعدم اكتراث، ولكن التفسير الأقوى هو أن القوات الأمريكية، وكذلك الحكومة الأمريكية، سربت تلك الصور عمداً حتى يتحقق الهدف النفسي وهو إذلال العرب انتقاماً لأحداث