هذه القصة التي يشاركني القراء إعجابي بها - قد حدثت في زماننا المعاصر - ويحدث مثلها كثير - فلعلها تكون عبرة تجعلنا لا نطلق الأحكام جزافاً.. إنما نتحرى الحق.. قبل أن نطلق الأحكام التي قد لا تكون صائبة..
إن هناك حاجة ملحة تدعونا إلى التروي في الحكم على ما يقابلنا أحياناً من تصرفات بعض الناس غير المألوفة أو المتوقعة منهم، سواء كانت من كبار أو صغار؛ فمن المعلوم أن ظروف حياة الناس ليست واحدة، وقد تمر بنا - نحن البشر - مواقف نبدو فيها على غير ما نحن عليه في الحقيقة، أو ما عهدنا عليه الآخرون، فنوصف بالغباء حيناً، ومرات بالكسل وعدم المبالاة، وبالحماقة أحياناً، وبالبخل أحياناً أخرى، نتيجة فعلنا أو ردة فعلنا. وقد سمعت في حالات كثيرة أحكاماً سلبية على أشخاص ومجموعات بل وعلى بلدان بأكملها نتيجة ما يصادفه الذي يحكم دون معرفته بالظرف الذي يمر به المحكوم عليه.
@@@
كان يحدثني أحد أساتذة الجامعة عن يأسه من حالة أحد طلابه الذي صادف أني أعرفه، ووجدت وصفه السلبي له مناقضاً لما أعرفه عنه، فقلت له: أخشى أن يكون وضعه كوضع الطالب الأمريكي "تيدي ستودارد"؟ فقال لي: من هو تيدي ستودارد؟ فأخذت أقرأ عليه قصة قرأتها بالانجليزية بعنوان "المعلمة".
(حين وقفت المعلمة أمام الصف الخامس في أول يوم تستأنف فيه الدراسة، وألقت على مسامع التلاميذ جملة لطيفة تجاملهم بها، نظرت لتلاميذها وقالت لهم: إنني أحبكم جميعاً، هكذا كما يفعل جميع المعلمين والمعلمات، ولكنها كانت تستثني في نفسها تلميذاً يجلس في الصف الأمامي، يدعى تيدي ستودارد.
لقد راقبت السيدة تومسون الطفل تيدي خلال العام السابق، ولاحظت أنه لا يلعب مع بقية الأطفال، وأن ملابسه دائماً متسخة، وأنه دائماً يحتاج إلى حمام، بالإضافة إلى أنه يبدو شخصاً غير مبهج، وقد بلغ الأمر أن السيدة تومسون كانت تجد متعة في تصحيح أوراقه بقلم أحمر عريض الخط، وتضع عليها علامات x بخط عريض، وبعد ذلك تكتب عبارة "راسب" في أعلى تلك الأوراق.
وفي المدرسة التي كانت تعمل فيها السيدة تومسون، كان يطلب منها مراجعة السجلات الدراسية السابقة لكل تلميذ، فكانت تضع سجل الدرجات الخاص بتيدي في النهاية. وبينما كانت تراجع ملفه فوجئت بشيء ما!!
لقد كتب معلم تيدي في الصف الأول الابتدائي ما يلي: "تيدي طفل ذكي ويتمتع بروح مرحة. إنه يؤدي عمله بعناية واهتمام، وبطريقة منظمة، كما أنه يتمتع بدماثة الأخلاق".
وكتب عنه معلمه في الصف الثاني: "تيدي تلميذ نجيب، ومحبوب لدى زملائه في الصف، ولكنه منزعج وقلق بسبب إصابة والدته بمرض عضال، مما جعل الحياة في المنزل تسودها المعاناة والمشقة والتعب.
أما معله في الصف الثالث فقد كتب عنه: "لقد كان لوفاة أمه وقع صعب عليه. لقد حاول الاجتهاد، وبذل أقصى ما يملك من جهود، ولكن والده لم يكن مهتماً، وإن الحياة في منزله سرعان ما ستؤثر عليه إن لم تتخذ بعض الإجراءات".
بينما كتب عنه معلمه في الصف الرابع: "تيدي تلميذ منطو على نفسه، ولا يبدي الكثير من الرغبة في الدراسة، وليس لديه الكثير من الأصدقاء، وفي بعض الأحيان ينام أثناء الدرس".
وهنا أدركت السيدة تومسون المشكلة، فشعرت بالخجل والاستحياء من نفسها على ما بدر منها، وقد تأزم موقفها إلى الأسوأ عندما أحضر لها تلاميذها هدايا عيد الميلاد ملفوفة في أشرطة جميلة وورق براق، ما عدا تيدي. فقد كانت الهدية التي تقدم بها لها في ذلك اليوم ملفوفة بسماجة وعدم انتظام، في ورق داكن اللون، مأخوذ من كيس من الأكياس التي توضع فيها الأغراض من بقالة، وقد تألمت السيدة تومسون وهي تفتح هدية تيدي، وانفجر بعض التلاميذ بالضحك عندما وجدت فيها عقداً مؤلفاً من ماسات مزيفة ناقصة الأحجار، وقارورة عطر ليس فيها إلا الربع فقط. ولكن سرعان ما كف أولئك التلاميذ عن الضحك عندما عبَّرت السيدة تومسون عن إعجابها الشديد بجمال ذلك العقد ثم لبسته على عنقها ووضعت قطرات من العطر على معصمها. ولم يذهب تيدي بعد الدراسة إلى منزله في ذلك اليوم. بل انتظر قليلاً من الوقت ليقابل السيدة تومسون ويقول لها: إن رائحتك اليوم مثل رائحة والدتي!!
وعندما غادر التلاميذ المدرسة، انفجرت السيدة تومسون في البكاء لمدة ساعة على الأقل، لأن تيدي أحضر لها زجاجة العطر التي كانت والدته تستعملها، ووجد في معلمته رائحة أمه الراحلة!، ومنذ ذلك اليوم توقفت عن تدريس القراءة، والكتابة، والحساب، وبدأت بتدريس الأطفال المواد كافة "معلمة فصل"، وقد أولت السيدة تومسون اهتماماً خاصاً لتيدي، وحينما بدأت التركيز عليه بدأ عقله يستعيد نشاطه، وكلما شجعته كانت استجابته أسرع، وبنهاية السنة الدراسية، أصبح تيدي من أكثر التلاميذ تميزاً في الفصل، وأبرزهم ذكاء، وأصبح أحد التلايمذ المدللين عندها.
وبعد مضي عام وجدت السيدة تومسون مذكرة عند بابها للتلميذ تيدي، يقول لها فيها: "إنها أفضل معلمة قابلها في حياته".
مضت ست سنوات دون أن تتلقى أي مذكرة أخرى منه. ثم بعد ذلك كتب لها أنه أكمل المرحلة الثانوية، وأحرز المرتبة الثالثة في فصله، وأنها حتى الآن مازالت تحتل مكانة أفضل معلمة قابلها طيلة حياته.
وبعد انقضاء أربع سنوات على ذلك، تلقت خطاباً آخر منه يقول لها فيه: "إن الأشياء أصبحت صعبة، وإنه مقيم في الكلية لا يبرحها، وإنه سوف يتخرج قريباً من الجامعة بدرجة الشرف الأولى، وأكد لها كذلك في هذه الرسالة أنها أفضل وأحب معلمة عنده حتى الآن".
وبعد أربع سنوات أخرى، تلقت خطاباً آخر منه، وفي هذه المرة أوضح لها أنه بعد أن حصل على درجة البكالوريوس، قرر أن يتقدم قليلاً في الدراسة، وأكد لها مرة أخرى أنها أفضل وأحب معلمة قابلته طوال حياته، ولكن هذه المرة كان اسمه طويلاً بعض الشيء، دكتور ثيودور إف. ستودارد!!
لم تتوقف القصة عند هذا الحد، لقد جاءها خطاب آخر منه في ذلك الربيع، يقول فيه: "إنه قابل فتاة، وأنه سوف يتزوجها، وكما سبق أن أخبرها بأن والده قد توفي قبل عامين، وطلب منها أن تأتي لتجلس مكان والدته في حفل زواجه، وقد وافقت السيدة تومسون على ذلك"، والعجيب في الأمر أنها كانت ترتدي العقد نفسه الذي أهداه لها في عيد الميلاد منذ سنوات طويلة مضت، والذي كانت إحدى أحجاره ناقصة، والأكثر من ذلك أنه تأكد من تعطّرها بالعطر نفسه الذي ذَكّرهُ بأمه في آخر عيد ميلاد!!
واحتضن كل منهما الآخر، وهمس (دكتور ستودارد) في أذن السيدة تومسون قائلاً لها، أشكرك على ثقتك فيّ، وأشكرك أجزل الشكر على أن جعلتيني أشعر بأنني مهم، وأنني يمكن أن أكون مبرزاً ومتميزاً.
فردت عليه السيدة تومسون والدموع تملأ عينيها: أنت مخطئ، لقد كنت أنت من علمني كيف أكون معلمة مبرزة ومتميزة، لم أكن أعرف كيف أعلِّم، حتى قابلتك.
(وللعلم تيدي ستودارد هو الطبيب الشهير الذي لديه جناح باسم مركز "ستودارد" لعلاج السرطان في مستشفى ميثوددست في ديس مونتيس ولاية أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية، ويعد من أفضل مراكز العلاج ليس في الولاية نفسها وإنما على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية) انتهت القصة.
@@@
وبعد مدة قصيرة من حديثنا قابلت الزميل أستاذ الجامعة وذكرني بما جرى بيننا من حديث حول ذلك الطالب الذي خيب أمل أستاذه، وقال لي: إني تقصيت حالته، واكتشفت ظروفه القاسية التي تتمثل في تحمله أعباء أسرية، ومالية بعد وفاة والده المغامر، وفي الحال قررنا سوياً مساعدة الطالب ليتخطى الصعوبات التي واجهته فوفقنا الله إلى ذلك، وعاد كما كنت أعرفه متألقاً في شخصيته، ومتفوقاً في دراسته، وها هو الآن خريج متميز في تخصص مطلوب يعمل ويكسب كما يعمل خيرة الرجال من أمثاله.
@@@
إن الحياة ملأى بالقصص والأحداث التي إن تأملنا فيها أفادتنا حكمة واعتباراً. والعاقل لا ينخدع بالقشور عن اللباب، ولا بالمظهر عن المخبر، ولا بالشكل عن المضمون. وربنا سبحانه عندما ساق لنا قصص الأولين نبهنا إلى أنه ساقها للاعتبار والاستفادة منها: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثاً يُفترى، ولكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل كل شيء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) "يوسف، آية: 111".
وبعض ما تعلمته من هذه القصة: أنني يجب ألا أتسرع في إصدار الأحكام، وأن أسبر غور ما أرى، خاصة إذا كان الذي أمامي نفساً إنسانية بعيدة الأغوار، موّارة بالعواطف، والمشاعر، والأحاسيس، والأهواء، والأفكار.
أرجو أن تكون هذه القصة موقظة لمن يقرؤها من الآباء والأمهات، والمعلمين والمعلمات، والأصدقاء والصديقات.
وفقنا الله جميعاً إلى الخير والصواب والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد.
1
قصة حدثت هناك.وانتهت نهاية سعيدة.أستاذي القصص هنا لاتنتهي. وإن اتنتهت فإلى مأساة.فالندب الكلي والجزئي للمعلمين والمعلمات يقف عائقا منيعا بين الطالب والمعلم. تقييد يد المعلم المبدع بتعاميم تنفذ بلا نقاش.و إطلاق يد أصحاب الحظوة من المعلمين والمعلمات ليذهبوا بالدرجات على حساب من يعمل.استطاعت تلك المعلمة أن تغير وتتغير لأن هناك من يدعم.أو من يفهم. من يحكم على الناس الحكم الصحيح ويأخذ بيد المستحق.
لو نقبت في صدور بعض المعلمين والمعلمات لوجدت قصصا تضاهي ما كتبت.. يعرف عنها ولا تسجل.
05:14 صباحاً 2008/03/25
2
ما أطيبك وأروعك يادكتور والف شكر لك لرواية هذه القصة ذات المغزي العميق والبعد الأنساني اللامحدوود: حقا انها عبرة لمن يتمعن فيها بعمق:ستظل مربيا فاضلا حينما كنت وزيرا للتربية اوبعد الوزارة فاتحفنا بهذة الدروس ايها المعلم الأنسان: ابو عبدالألة:
05:49 صباحاً 2008/03/25
3
ارك الله فيك وبما تكتب.. قصة مؤثرة وياليت تُدرس لبعض المدرسين الذين لا يفقهون في التعامل الإنساني أي مبدأ... وشكرا مرة أخرى
05:50 صباحاً 2008/03/25
4
مقال رائع من معالي وزير سابق قدم الكثير للتعليم.
أعجبني السرد الجميل للقصة والعرض الرائع للموضوع نعم ما أحوجنا إلى حسن الظن في الآخرين وأن نحمل الآخر على محمل الخير حتى يظهر خلاف ذلك فالكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة لهما مفعول السحر على النفوس الطيبة.
دمت بخير وعافية
08:32 صباحاً 2008/03/25
5
كل ما كتبت صحيح
ولكن ما نمر به من الضروف المعاصرة وإعجازها للناس عن سبر أغوار أنفسهم وفهما فضلاً عن غيرهم هو كذلك شي صحيح
وفقك الله
09:46 صباحاً 2008/03/25
6
يا سلام عليك يا دكتور محمد مبدع مبدع مبدع.. الحب يصنع المعجزات يا دكتور محمد لو حبينا كل اللي نقابله وحاولنا نكتشف الشغلات الحلوه اللي فيه ونتغافل عن سلبياته راح نعيش بمرح وسعاده لامثيل لها وطبعا ما ننسى اوجد لاخيك المسلم سبعين عذر فأن لم تجد له عذرا قل لعله عنده عذر.. تحياتي على فكره يبيلها كتاب مقالاتك وش رايك؟؟
10:48 صباحاً 2008/03/25
7
للقصه بُعد ومعنى مره رائع
قصه تعلم
اشياء بسيطه نسويها ل ناس
تخلّي جواتهم اثر جبار
.
.
كثير "كبار" اليوم
كان السبب اللي صنعهم
كلمه.. او هديه.. او رساله.. او موقف
انقالت لهم او انرسلت لهم او عاشوها
اشياء جدا بسيطه حصلت لهم لما كانو صغار
.
.
اهدتهم بالمقابل لما كبرو
مستقبل اكثر من رائع
.
.
المفروض نعلم نفسنا
انو نقدر نكون اكثر من بشر
ونصنع من اجسام مره صغيره
عظماء مره كبار.. لما يكبرون
بعد الله سبحانه.. نكون احنا السبب
.
.
استمتعنا
شكرا لك استاذي
01:16 مساءً 2008/03/25
8
مقال رائع جدا واسلوب تربوي مؤثر من متقن للتربية محب لها قدم الكثير. أرجو من المعلمين أن يستفيدوا من هذه التجارب والقصص التي يعرضها مجرب في التدريس والتعليم والادارة واسع الإطلاع ينتقي اطايب الكلام والحكم لقد تأثرت كثيرا من هذه القصة وعلمت أن المعلم أو المعلمية يستطيع أن يفعل الكثير والكثير ويغير من مسار حياة الطلاب بالحكمة والإخلاص وحب المهنة. كيف استمر تأثير هذه المعلمة سنوات طويلة بل استمر التأثير وتعلم منها الطالب الكثير وتعلمة هي كيف تنجح في عملها فعلا في القصص عبر ودروس
01:17 مساءً 2008/03/25
9
موضوع رائع جدا ومنهج تربوي مؤثر من تربوي محب للتربية قدم الكثير.. ياليت المعلمين والمعلمات أن يقرؤوها ويستفيدوا منها فهي تجارب وقصص فيها من الفوئد الكثير يقدمها خبير في التربية والتدريس والادارة واسع الإطلاع، قصة مؤثرة جدا عرضت باسلوب تربوي مبدع من هذه القصه يتضح أن المعلم يستطيع توجية حياة الطلاب بالحكمة والإخلاص واتقان العمل وحب المهنته مهنة التعليم لأن يكونو مبدعين لا ان يحطم ابداعهم. مزيدا من الدروس والعبر ابا أحمد
01:57 مساءً 2008/03/25
10
كلام جميل ولكن يكون مع هذا الرفق شيء من الحزم يا دكتور محمد...
ما نشاهده الآن على الساحة التربوية يفتقد للكثير من الحزم...
02:26 مساءً 2008/03/25
11
ما أجمل أن تبرز النجاحات على مستوى المعلمين والمعلمات ليصبحوا قدوة لغيرهم من المعلمين والمعلمات وتصاغ باسلوب تربوي كما فعل استاذنا الدكتور محمد الرشيد فشكرا لك يادكتور
02:42 مساءً 2008/03/25
12
قصة معبرة
ولحسن الحظ يوجد امثلة حية في حياتنا
لابد من ان نهتم بالتأسيس قبل ان نستمر بأكمال البناء
03:01 مساءً 2008/03/25
13
كم هو مقال جميل و كم هي قصة إنسانية تلك التي صنعت أملا في قلب صغير فقد الأمان والحب، ليكون فردا فعال يفيد من حوله،ذو عطاء لا متناهي...
شكرا لتذكيرنا بأهمية الأمل و بقوه الحب التي يمكن أن تؤثر في حياة من حولنا وإن كانت القصة في الأساس خيالة لكنها سامية و من الممكن جدا أن تكون واقعية
03:15 مساءً 2008/03/25
14
كلنا بحاجة إلى التذكير في كل المجالات..ولكن التعامل مع النبتة الصغيرة يحتاج
إلى ترو واتزان...لذا لابد من انتقاء معلمي الصفوف الأولى بحذر
08:53 مساءً 2008/03/25
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له