بعض الدول العربية التي تحررت من الاستعمار، حصلت على برلمان وقضاء، وقواعد إدارية كانت البدايات لنجاح أنظمة جيدة، لو أنها طورت تلك البدايات مثلما فعلت الكثير من الدول، إلا أن ما أعقب الحصول على الحرية، انقلاب عليها من خلال الثكنات العسكرية، ليفشل المشروع برمته..
أيضاً تمتعت دول كثيرة بحرية إعلامية مقبولة، لكنها بعد تلك الأساسيات التي هدفت إلى رفع مستوى وعي المواطن، والدفاع عن حقوقه، ولجم السلطات المتسلطة، دخلت عصر التأميم وهيمنة الدولة عليها، وحتى عندما فضلت بعض الدول تطوير هذا العمل، لتحرير الإعلامي، تحولت إلى دكاكين تجارية في خدمة من يدفع، أو تقوم بتحالفات مع قوى أخرى لتكون الناطق باسم الواجهات السياسية والاجتماعية، ودون أي موضوعية في الطرح إلا المكاسب المادية..
المشكلة عريضة، ومعقدة، فالأحزاب لا تنجح في ظل هامش ديموقراطي لأن نضج القيادات حتى لو حصلت على أعلى المعدلات التعليمية والثقافية، يبقى تابعاً تلقائياً للقبلية والطائفية والمناطقية، ليلغي الهدف الأساسي من قيام تلك المؤسسات التي ظلت الغاية منها بناء هيكل نظام تتساوى فيه الحقوق والحريات..
وحتى النقابات العمالية، تشرذمت بين مفهوم الطبقة والعمل عندما توزعت على دوائر وقطاعات، وخرجت من مفهوم الاعتبارات التي نشأت من أجلها، إلى الهم السياسي قبل الدفاع عن الحقوق، انتهت إلى قائمة في جداول الموظفين بالشركات المؤممة والتابعة للدولة كأي احتياطي بشري راكد..
أما القضاء الذي ظلت دول الاستعمار تحاول لجمه، والذي ظل العلامة الأهم في الدفاع عن حالات التمايز والقهر، فقد رسم خطاً متصاعداً في كفاءة الأنظمة والأشخاص، لكنه كأي نشاط آخر اعتبرته السلطات اللاحقة من بقايا الاستعمار ولابد من تشريعات جديدة فصّلتها تلك النظم في خدمتها لدرجة أن قضاة، ورؤساء محاكم، ومحامين وضعوا رهن السجون، ومن هنا سقطت علامات مضيئة في مرحلة من المراحل الحرجة في فوضى السياسات الغارقة بالحلم، ولكنه مجرد وصفات لمريض يوشك على الموت..
مثل هذه الحالات في تاريخنا غير البعيد أعطت مؤشراً مؤلماً، أن الديموقراطية والحريات العامة التي تعطي الفرص لتشكيل الأحزاب والنقابات، وقضاء حر فوق كل السلطات، فشلت لأننا ندير شؤوننا، ونرسم خططنا على أسس الأشخاص والمجموعات العرقية، أو العائلية ولهذا السبب صرنا كلما قفزنا درجة، تراجعنا عدة خطوات، ولذلك يستحيل أن نكون دستوريين ونظاميين نلتقي على سقف عال من الأهداف الوطنية، وحتى الذين يتمادون بتبرير الفشل الاقتصادي والتنمية العامة بعوامل الحروب، والمؤامرات، وزيادة السكان، لا يضعون المقارنات مع الدول التي لا تملك أي موارد، ومع ذلك صعدت إلى مصاف الدول الثرية ضمن سلسلة من الاصلاحات وصرامة الأنظمة، وانقياد الشعب للعمل كمعوّض أساسي عن أي فعل آخر..
عموماً ليس هذا مجرد طرح رأي، وإنما هو الحقيقة التي لا بد من تحليل أسبابها وفيما إذا كنا نعاني نقصاً في التربية والوعي، أم انها طبيعتنا التي لا يحل عقدها حتى السحر..