جريدة الرياض اليومية

الاثنين 16ربيع الأول 1429هـ - 24مارس 2008م - العدد 14518
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | الأخــيــرة | الصحفي الإلكتروني | ]
خمسة أعوام على غزو العراق.. اعتذار لحلم العراق الحر!!

عبدالله القفاري

خمسة أعوام مرت على غزو العراق، والأحداث لا تقاس بعامل الزمن وحده، إنما تقاس بآثارها، والحدود الفاصلة بين العصور التي تخلفها، والمراحل التي تعلن الدخول إليها.

اعتذر للقارئ في البدء عن تلك الأماني التي كنا نقرؤها حلماً بين عصرين. لم تكن المسألة حينها تهويناً من فعل الغزو الأمريكي للعراق، إنما كانت مراهنة على قدرة العراق على التحول الإيجابي من عصر الإلغاء والدولة الشمولية التي احتبست على حالة توقف وحصار وعذابات الى عصر دولة قانون وتوافق وحريات ودستور. لم تكن المسألة حينها مفاضلة بين حالة نظام يلفظ أنفاسه الأخيرة، وحالة غزو فاجع تقوده الولايات المتحدة الأمريكية تحت يافطات التسويق الاستخباراتي وتحت شتى الذرائع، وهي تخفي أجندة الغزو في مكان آخر، وتسوّق له تحت عناوين أخرى. كانت المسألة بالتحديد المراهنة على قدرة العراق للخروج من كارثة الغزو إلى دولة أكثر احتراماً لحق الإنسان بالحياة، إلا أن الحلم أحياناً يتجاوز تحت ضغط التوقف والاستبداد والاحتباس، حقائق الواقع وقوى الصراع وخلفيات المشهد.

بعد هذا الاعتذار، ماذا تعني تلك الأحداث الجسام بعد خمسة أعوام من الغزو. لقد أكدت تلك الأحداث ومسلسل التراجع في الحالة العراقية، وحالة العطب السياسي في المنطقة العربية.. ما يلي:

- أكدت أن المنطقة ستظل المجال المفتوح لصراع القوى الكبرى، ولم تكن الحالة العراقية سوى المشهد الطافي على سطح الأحداث. إنها المختبر الكبير الذي تتم فيه هذه المواجهة اليوم. وهي تنقل آثارها إلى بلدان أخرى كنوع من تداعيات الضغط على مشروعات متضاربة، ولا يمكن لأي منها أن يسلم للآخر بسهولة.

قدر هذه المنطقة من العالم أن تعيش عقوداً وهي ميدان صراع. كان في الماضي يبدو صراعاً غير مباشر. النظام الدولي الذي خلفه تفكك الاتحاد السوفيتي السابق، والأخطاء الجسام التي ارتكبها النظام العراقي بغزو الكويت، وظهور منظمة القاعدة التي تخفي ما هو أبعد وأكبر من حجم القاعدة أو رموزها الظاهرة - وهي أداة لا يمكن لها أن تعيش بعيداً عن أجندة الصراع، إلا أنها تتوهم أنها فعل الصراع الأول - والحرب على الإرهاب، وهو العنوان الذي يسوّق لجمهور لا يقرأ سوى عناوين الفعل اليومي دون ادراك تركيبات المشهد المعقدة. كل هذا غطى على مشهد بالغ التعقيد لا تفسره سوى أجندة أكبر وأكثر تعقيداً، والأخطر أن تكون المنطقة بقواها المحلية، هي مادة الصراع ووقوده مهما دفعت تلك القوى الغازية أو المشاركة من تكاليف مادية أو بشرية. انها في المستوى الأخير تدفع ثمناً لكنه أقل بكثير من مكاسبها، واهون بكثير من العطب الذي أصاب المنطقة.

هناك عاملان، هما عناوين الصراع مهما اخفت الحالة من ملامح الحرب على الإرهاب. الأول النفط، والآخر أمن إسرائيل. في العامل الثاني تتفق القوى الكبرى على حماية الكيان الإسرائيلي إلى درجة التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل والقوى الغربية الفاعلة على مستوى التأثير، مع اختلاف درجات الفعل ودرجات التأثير ومستوى المعالجة. في العامل الأول تبدو تحت السطح حالة صراع بين القوى الكبرى على قدرتها على السيطرة بشكل أو بآخر على ثروة المنطقة النفطية، التي لا يمكن لها عملياً - حتى اليوم - أن توفر بدائل مناسبة تحل محل هذه الطاقة الرخيصة والفعالة، ناهيك عن عوائدها الضخمة.

على من يقرأ حالة الصراع في المنطقة أن يربطها بالمصالح الاقتصادية وهي الإبقاء على قدرة التأثير والاستحواذ على مصادر وعوائد الطاقة دون أي نوع من التهديد. والأمر الآخر أمن إسرائيل كهدف استراتيجي، حيث ربطت تلك القوى نفسها في إطاره حتى لا ترى لها مصلحة كبرى سوى من خلال دعم هذا الكيان وضمان تفوقه والتأثير من خلاله، بغض النظر عن معادلة الاختلال في موازين قوى الصراع المحلية أو الإقليمية.

كل تحليل سياسي لا يأخذ هذين العاملين بعين الاعتبار، ويسرف في بحث التفاصيل، ويتعلق بالظواهر اليومية ومشاهد الحدث، لن يكون قادراً على فهم حالة صراع ما زالت في أوجها، ولم تعلن، ولا يتوقع أن تعلن قريباً حالة انتصار أي طرف فيها.

في الحالة العراقية تبرز مشاهد الدم اليومي والتفجير والتدمير والرفض والمواجهة، لكن تخفي تلك الحالة أطراف الصراع الحقيقي ووقوده ومدده وعلاقاته وأهدافه.

- أكدت الحالة العراقية والعربية عموماً بعد خمس سنوات من الغزو، أن الواقع الثقافي والسياسي العربي يحمل داخله هشاشة كبرى في مواجهة الأزمات، ويحمل بذور التفتيت أكثر من عوامل البقاء على لحمة الدولة والكيان. أي أن المحيط العربي الداخلي عند أي حالة اختبار لقدرته على التماسك يؤكد فاجعة اكتشاف حجم تشرذمه وقدرته الفائقة على تفتيت نفسه من الداخل إذا تعرض لضغوط الخارج. انبعاث الحالة الطائفية في العراق وفي لبنان حمل هذا المضمون لواجهة الأحداث. لم تقو الدولة العربية خلال عقود على بناء لحمة داخلية عبر واجهات التحديث، كانت أولويتها قسر الواقع لصالح قمع التناقضات الداخلية بالقوة، ولم تفعل الكثير من أجل مصالحة التناقضات لوجه الدولة والوطن. هاهي الحالة العراقية عنوان كبير لهذا المختبر، واليوم الحالة اللبنانية تتحرك في ذات المسار. يتحول الصراع الدولي في المنطقة والتي تشارك فيه القوى الإقليمية إلى استيلاد التكوينات الطائفية في مواجهة حالة صراع، لا مراكمة فعل وطني تلتقي فيه القوى الاجتماعية والسياسية والدينية على حالة دفاع عن مشروع وطن يتسع للجميع.

- كشفت أيضاً سنوات الغزو وتداعياتها، القراءة الهشة في أجندة الكثير من المثقفين العرب، وغياب المفاهيم الكبرى التي تعبر عن الإطار الأوسع في مهمة المثقف الحر. فالتسويق إما أن يكون لأجندة الغزو على طريقة رفض قوى الممانعة والمقاومة بالكلية والتبشير بالمشروع الأمريكي، أو على طريقة تمجيد وتنزيه أي قوى تعلن عن نفسها قوى مقاومة دون فرز أو استقصاء ودون فهم الإطار الذي تتحرك فيه، فهذه القوى في الحالة العراقية تحديداً والتي تستهدف الشارع العراقي البائس لا تبشر بمشروع إنساني أو قيمي أو قادر على الحياة. المقاومة لحالة الغزو فعل طبيعي ومشروع لكن في غياب الأفق السياسي والتركيز فقط على بقاء تلك المقاومة موجعة فقط وقادرة على الانهاك حتى لو طالت المفاصل الرخوة في المجتمع المتشرذم أصلاً والمفكك واقعاً، يضع الأسئلة الكبرى أمام عقل غير قابل للاستلاب وغير مهيأ لتسرقة مشاهد التفجير الذي يطال بسطاء الناس لا سواهم، دون أن يكون خلف كل هذا معادلة صراع، وقد تتحول المقاومة التي لا نعرف الكثير عنها إلى حالة جهاد عن الغير ولصالح الغير، مهما كانت النوايا حسنة والشعارات جميلة. انها تلبيسات تطال وعي المواطن العربي، فلا تعرف هل هو سعيد بمشاهد الخلل في تداعيات حالة عربية منهكة للجميع، أم هو رافض لها وباق على حلمه الذي انهار أمام أزمات أخرى تطال يومياته لا سواها.

القراءة في الحالة العراقية بعد خمسة أعوام من الغزو الأمريكي تستحق أن يتحرر القارئ، من سطوة المشهد اليومي للبحث في جذور الأزمات لا في ابتعاثاتها اليومية. الحالة تستدعي من القارئ أن يتجاوز حالة الهتاف بمع أو ضد، لفهم من يقف وراء تلك الحالة التي لا تعلن عن نفسها سوى بدوي التفجير والقتل لكنها تخفي أجندة خاصة، ولن تستقر الحالة العراقية على مشهد يمكن قراءته بسهولة إلا في حالتين: اتفاق بين قوى الصراع الكبرى على تقاسم غنائم الغزو، أو تضعضع إحدى تلك القوى لصالح الأخرى إلى درجة التسليم.

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية