د. فوزي الأسمر
،، كما أن شعبية جورج بوش حسب استطلاعات الرأي العام الأمريكي، والعالمي، قد وصلت إلى درجة من الانخفاض لم يسبق لها مثيل. كما عدت استطلاعات الرأي العام العالمية أن السياسة الأمريكية الحالية هوجاء وتشكل أكبر خطر على العالم ،،
أفضل ما في عام 2008م هو أنه العام الأخير لوجود جورج بوش في البيت الأبيض. وبلا شك أن كثيرين في العالم سيتنفسون الصعداء بعد خروجه، بسبب المتاعب التي فرضها على العالم بسياسته الهوجاء التي كاد أن يجرف بها العالم إلى صراعات وحروب لا نهاية لها.
وسيترك جورج بوش البيت الأبيض من دون تراث سياسي يمكن تمريره للأجيال المقبلة. بل إنه من الصعب إيجاد شخصيات حتى في حزبه الجمهوري على استعداد لتبني تراثه والأسلوب الذي اتبعه في معالجة الأمور السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية.
فالمتنافسون على ترشيح الحزب الجمهوري لهم لترأس الجمهورية في حالة فوز أحدهم في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2008، يحاولون جاهدين الابتعاد عن السياسة التي مارسها جورج بوش خلال السنوات السبع التي قضاها في البيت الأبيض حتى الآن.
فمثلا نرى أن المتنافس المتقدم بين الجمهوريين مايكل هاكبي الذي كان حاكما لولاية أركنسا، يخرج إلى الشارع الأمريكي بشعارات تتناقض كليا وسياسة جورج بوش. إنه يريد إخراج القوات الأمريكية من العراق، وهذا مطلب له شعبية كبيرة لدى الجمهور الأمريكي، لدرجة أن هذا الجمهور انتزع الأغلبية في الكونغرس في الانتخابات الماضية من أيدي الجمهوريين وسلمها للحزب الديمقراطي الذي تبنى شعار إنهاء الحرب في العراق.
كما أن هاكبي ينادي بإجراء حوار مع إيران حول المشاريع النووية وغيرها من الأمور المتنازع عليها مع إدارة بوش. بل ذهب هاكبي إلى أبعد من ذلك عندما وصف السياسة الخارجية الأمريكية بأنها "أحادية الجانب"، الشيء الذي دفع وزيرة الخارجية، كوندوليزيا رايس، بالرد عليه.
وخلال فترة التنافس هذه رفض أكثر من متسابق جمهوري إشراك الرئيس بوش (كما هي العادة لدى المتنافسين الأمريكيين) في الحملات الانتخابية، ومنهم من قال بصراحة أن مواقف بوش لا تساعد المرشح على الحصول على مزيد من المؤيدين أو تزيد من شعبيته.
كما أن شعبية جورج بوش حسب استطلاعات الرأي العام الأمريكي، والعالمي، قد وصلت إلى درجة من الانخفاض لم يسبق لها مثيل. كما عدت استطلاعات الرأي العام العالمية أن السياسة الأمريكية الحالية هوجاء وتشكل أكبر خطر على العالم.
وتراث جورج بوش السياسي يعتمد على أسس مرفوضة محليا وعالما، وهي أسس مبنية على سياسة الرعب والتهديد: "إما معنا أو ضدنا" قالها بوش لقادة العالم. وحاول أن يقنع الرأي العام أن هناك عدوا مشتركا وهو "الإرهاب الإسلامي"، والواقع أنه في "تعثرات" لسانه، وقد كانت كثيرة، عد الإسلام مصدراً الإرهارب، وأن هناك "حربا صليبية قائمة"، وإمكانية قيام حرب عالمية ثالثة بسبب مشروع إيران النووي الذي يهدد إسرائيل، الشيء الذي أدخل الرعب في قلوب الملايين، ومع ذلك لم يستطع إقناع أحد بوجهة نظره.
ثم كان تراث الكذب والخداع بهدف الوصول إلى غايات محددة تخدم شريحة معينة في المجتمع الأمريكي. فكان في مقدمتها محاولة إقناع العالم بوجود أسلحة نووية لدى العراق. وقرر البيت الأبيض ضرب المواقف الدولية المعارضة لغزو العراق عرض الحائط وتنفيذ الغزو، مقنعا بعض الدول المشاركة فيه خصوصا بريطانيا. واليوم نرى أن الأغلبية الساحقة من الدول التي أرسلت بعضا من قواتها إلى العراق قد سحبتها أو تستعد لسحبها بما في ذلك بريطانيا نفسها الحليف القوي لواشنطن.
وتبين أنه لم يكن لدى العراق مشروعات نووية، بل إن التقارير التي حصلت عليها الإدارة الأمريكية ووكالات المخابرات الأمريكية خصوصا من الذين يطلقون على أنفسهم كنية "المعارضة العراقية" وما قدمته المخابرات الإسرائيلية من تقارير، كانت كلها ملفقة وغير مبنية على حقائق.
وبنظرة إلى الوراء نرى أن بوش لم ينفذ أيا من تعهداته. وأفضل مثال على ذلك هو تعهده بإقامة دولة فلسطينية 2005، و كرر ذلك مرات ومرات، بل إنه حدد أكثر من تاريخ لها (كان أوله نهاية عام 2005)، ولكنه لم ينفذ تعهده ربما لأنه لم يكن مقتنعا بذلك، أو عرف بأن تنفيذ وعده يحتم عليه أن يضع ضغطا حقيقيا على تل - أبيب وهذا أمر غير وارد في السياسة الأمريكية.
فهذه السياسة هي التي دفعت ملايين البشر إلى الشوارع في مظاهرات صاخبة طافت شوارع المدن الرئيسية في الولايات المتحدة تندد بها وتطالب بوش بالعدول عن سياسة الإرهاب والرعب الفكري. ونفس هذه السياسة هي التي دفعت الملايين في العالم للخروج بمظاهرات تندد بهذه السياسة، وهي نفسها التي دفعت الجماهير للتظاهر في كل مكان توجه له بوش.
سيغادر بوش الساحة السياسية الأمريكية حاملا معه كل الشخصيات التي جلبها إلى واشنطن، ولن يكون له تأثير على مجرى السياسة الأمريكية القادمة، حتى لو تمكن الحزب الجمهوري من الاستمرار في السيطرة على البيت الأبيض. بل سيحاول السياسيون خصوصا في الحزب الجمهوري من شطب بوش وسياسته من قاموسهم الحزبي والسياسي.
أما المشكلة الكبرى فستكون من نصيب الشخص الذي سيحل مكانه، إذ يتحتم عليه أن يعيد بناء السياسة الخارجية الأمريكية، وأن يعمل على إعادة الثقة بهذه السياسة في محاولة لعودة الولايات المتحدة إلى مركز الصدارة والفعَاليات في العالم، وهي عملية ليست بالسهلة.