د. شروق الفواز
أقوى الذكريات وأرسخها هي تلك التي يحفرها أو يرسمها انطباعك الأول . لأنها تظل محتفظة بصورتها الأصلية التي وقع عليها بصرك وتفاعل معها وجدانك مهما حاولت الصور الأخرى أو الانطباعات المغايرة محوها فإنها تظل ثابتة.
كذلك هي صورة (نورة) أول مريضة بمتلازمة داون أعالجها كانت مريضة مختلفة وانطباعاتي عنها مغايرة، لكل ماتوقعته مما يمكن أن يكون عليه حالها ممن هم مصابون بمثل مرضها أو إعاقتها. كانت في عامها الثاني عشر وتأتي لعيادتي بصحبة والدتها وأختها الكبرى، كانت لطيفة ومدهشة في قدرتها على التفاعل والتعلم والإدراك بالرغم من كل ما يثقلها به وضعها الصحي والعقلي من معوقات. أذكر أنها كانت فخورة ومعجبة بشعار المدرسة التي تدرس بها. حريصة على إعلامي بأخبار صديقاتها وأصدقائها في المدرسة. تعبر عن مشاعرها بحب وحنان وكرم سخي أراه في كل مرة تأتي لزيارتي فيها وهي تحمل هدية لي ، تخصني بما هو محبب إليها، كيسة مملوءة بالحلوى التي تحبها...
رأيت بعدها وبحكم تخصصي أطفالا كُثراً ممن هم مصابون بهذه المتلازمة متفاوتين في درجة تعلمهم وتفاعلهم وقدرتهم على الاندماج مع المجتمع والقيام بمتطلبات الحياة المختلفة منهم من كان مثل نورة بما حباه الله به من بيئة واعية بطبيعة إعاقته ومتفهمة لكل احتياجاته، مهتمة وحريصة على تعليمة وتأهيلة، ومنهم من كان ضحية الإهمال أو الجهل يعيش يومه في دورة متكررة من الألم. مهملا ضائعا أو مضطهدا حبيسا لنظرة مجتمعه وإعاقته.
المصابون (بمتلازمة داون) دونا عن غيرهم من ذوي الاحتياجات الخاصة الأخرى استطاعوا أن يكسروا حاجز إعاقتهم وقدراتهم العقلية وأثبتوا للعالم أجمع عزيمتهم القوية وقدرتهم على تطوير إمكانياتهم ومهاراتهم والانخراط في مجالات التعلم والعمل.
اليوم هو الواحد والعشرون من شهر مارس وهو اليوم العالمي لمتلازمة داون للتوعية بحقوق هذه الفئة واحتياجاتها والذي تحتفل به المملكة العربية السعودية أسوة بدول العالم الأخرى وايمانا منها بالرسالة التكافلية التي يحملها هذا اليوم لفئة خاصة من مجتمعه بحاجة لمزيد من الدعم لتوفير التعليم والتأهيل المناسبين لتحسين قدرتهم على الاندماج والتواصل مع ظروف حياة مجتمعهم اليومية.
ولعل المناسبة تستوجب الإشادة بالجهود الكبيرة التي تبذلها الجمعية الخيرية لمتلازمة داون (ديسكا) وجميع القائمين عليها أو الداعمين لها لخدمة المصابين بالمتلازمة وتوعية المجتمع بطبيعة احتياجات هذه الفئة. وتوفيرها لقناة خيرية تكافلية تغذي العمل الخيري في المملكة وتصبه في مصلحة هذه الفئة المحتاجة بما توفره من صور مختلفة للعمل الخيري والتطوعي المحلي ممثلة في الكفالة التأهيلية أو التعليمية للمحتاجين من المصابين بمتلازمة داون أو من خلال برامجها التثقيفية والتوعوية والأسرية.
مساهمتها الفعالة في زيادة التنوع في سبل العمل الخيري والتطوعي من خلال لفت النظر لذوي الاحتياجات الخاصة والتشجيع على دعمهم وتحسين ظروفهم بتوفير الوسائل المناسبة لتأهيلهم، وتثقيف أسرهم والبيئة المحيطة بهم ، يتكامل مع التوجه الملكي الإنساني ودعمه الكريم لاستيعاب احتياجات المجتمع المختلفة والتكافل معها ومع طبيعة المجتمع السعودي الكريم في تعاطيه وتفاعله مع احتياجات ضعفائه.