ذلك الأحد الباريسي قطعنا حديقة اللكسمبورج صوب مسرح (Lucernaire) للعروض التجريبية لَفَتَ نظري المقهى الذي يضم المهتمين بالفنون، و استقبلتنا آلات موسيقية وعازفون يهرعون لعروضهم بالمسرح، وممثلات في ثيابهن الخفيفة، لنخترق متأخرين خمس دقائق لصالة السينما التي تنتقي الأفلام السينمائية الفنيِّة المتميزة، كنَّت قد قرأت عن حماسة النقاد لهذا الفيلم، (Atonement) الذي تُحَيِّرني ترجمته، وربما يعني (التعويض ) أو (التكفير )، الذي طُرِحَ في صالات العرض بأوروبا مع بداية يناير 2008، وانتقل للسينمات الاستعادية كهذه القاعة بالمسرح التجريبي . الفيلم سبق ورُشِّح لسبعٍ من جوائز الأكاديمي أورد، وحصل على جائزة الجولدن جلوب لأحسن تصوير، وقالت عنه الديلي ميل أنه يخطف الأنفاس، بينما وصفته التايمز بالمُذءهِل . لكن كل تلك الأنباء لم تُعِدَّنا لما استقبلنا في تلك الصالة الصغيرة، التي كانت غاصة بالمتفرجين، بحذرٍ وجدنا مواقعنا في الظلام، لم يبق لنا غير مقاعد بالصف الأول، الأمر الذي كان في البداية مُحبطاً حتى استلمتءنا مَشَاهِد الفيلم، والكتابة التي مثل مطارق تهوي على رؤوس الأبطال ورؤوسنا وترسم أقدارهم و تصير لُبَّ الحكاية ومحورها . وتحت وقع مفاتيح الآلة الكاتبة والآلة العسكرية و قصف الحرب و الحب والأحكام البشرية الجائرة، وَجدنا رؤوسنا بمَسءقَط تلك الشاشة المهيمنة تحفر مَشاهدها وتُفَجِّر في وجوهنا الصور الفنية، وفي آذاننا الموسيقى التصويرية، تتبع صراع أجساد الشخصيات ورغباتها المكتومة والمتفجرة، وتنقل ثقلها وخِفَّتَها و انفتاحها وتحولاتها الجذرية ... كلُّ مَشءهَدٍ لوحة فنية، وحرير الثياب التي تمثل ذلك العصر تطير في شرائح ضوئية بالكاد تكسي الأجساد . كل تلك الكثافة والشفافية انقشعت فجأة مع اندلاع أجواء الحرب العالمية الثانية، لتتحوَّل إلى بشاعةٍ فنية تتحلَّل فيها الأجساد وتتجهمَّ لكابتها الأزياء . وتنمسخ خلف أقنعةٍ رسمية، تعلن أحكاما صادرة بالموت : تفاجئك فتطغى أزياء التمريض المُوَحَّدَة والزي الحربي الطامس، الوجوه والأجساد البشرية المُقَنَّعَة بالجروح والدم، حتى الممرضات المتطوعات يُحَظَّر عليهن تقديم أنفسهن للجرحى بأسمائهن الأولى فنجد أن (بروني Prion Tallis) تتلقَّى إنذاراً من رئيسة الممرضات لهذيان الجندي باسمها، تستدعيها الرئيسة لمكتبها لتوبيخها : (هنا لا وجود لبروني، هنا تالس فقط) بلقبها الرسمي فقط، ولا أسماء أولى، نفس قناع الصرامة الذي يستر الحقيقة عن (بروني) حين كانت في الثالثة عشرة، والتي تخترق النص بكتابتها (رؤيتها)، وعن تلك الكتابة يجري بينها وقريبتها (لُولا) ذلك الحوار: ماهي أسوأ كلمة في العالم لتجيب لولا : (الجنس) . لتعود لولا تسأل : بروني عَمَّ تدور مسرحيتك ؟ بروني: عن الحب، الحب أمرٌ جيد، لكن يجب أن يكون عقلانياً ..! الجنس مقابل العقلانية التي تحوَّلَتء لسيفِ عقابٍ سَلَّطَتءه على شقيقتها (سيسيل) وحبيبها، فَجَّرَتء بناءً عليه النصَّ بظهورها كمُمثِّلة للأطفال الممسوسين بفكرة البراءة (بأن العالم يجب أن يكون هكذا، وِفءقَاً لأُحادية ومحدودية رؤيتهم ..) التفجير الذي أدى لتَغَيُّر مَجءرَى حياتها هي أيضا نتيجة لزور شهادتها ضد حبيب أختها (روبي تيرنر) و التي أَدَّت لسجنه و تجنيده و مُقاطعة سيسيل لأسرتها، مما قاد بروني لهجر حلمها بالالتحاق بكامبريدج لتشتغل متطوعة بالتمريض، تكفيراً عما سبَّبَتءه من أذى في حياة شقيقتها ..
يُرَكِّز المُخءرِج على عيون الشخصيات، ويُظءهِرها أُحادية تَتَقَنَّع ثانيتُها بالظِلِّ أو العتم أو الضمادات . ربما يريد المُخءرِج أن يُوَجِّه الاتهام بالدمار والخراب إلى العين (الوحيدة)، أو المعرفة القاصرة أو المعرفة المُضَلِّلة . (العين الوحيدة ) هي قصور معرفة، تحفرها بروني في وعينا بديكتاتورية حين تُكَرِّر : (لقد رأيته ؟) يعتدي على قريبتها . و يعاودون سؤالها : (أرأيته بعينيك ؟) فتُكَرِّر كمقصلة (لقد رأيتُه .. لقد رأيتُه بعيني .) وتهوي كلمتُها مع مطرقة أُمِّ المتهم المفجوعة بوحيدها على عربة البوليس التي تخفره لسجنه . ومن تلك الرؤية أو الكلمة ينطلق الشر :
خطورة الكلمة، الغيرة، الاستغلال . الحرب هي المُحَرِّك للفيلم والدوافع الشخصيات، العين التي ترى نصف الحقيقة وتبني عليها أشد الأحكام جوراً .
ربما يُخءتَزَلُ ذلك في المَشءهَد - الذي يسبق كل ذلك الدمار ويُهيئ له - حين تتماهى (بروني) ابنة الثالثة عشرة في حقل الزهر الأبيض، ثم لا تلبث أن تظهر بصورةٍ نصفيةٍ، مُغطاة الرأس بكاب السباحة البلاستيكي الأبيض، وَسَطَ بُقَعٍ من الأبيض، مُبَاشَرَةً بعد أن أنقذها روبي البطل من الغرق (لتتسبب في دماره برؤيتها الأُحادية المقطع، و ببراءتها المُتشددة) .
فعل الكتابة واقتراف الكلمة هما السلاح ذو الحدين: أداة الجريمة (رسالة روبي إلى سيسيل) برمز التكفير، التي تبدأ بها الحكاية وتبلغ بها ذروتها ثم أخيرا بها تنتهي في تسجيلها في هذه الحكاية .