د. هتون أجواد الفاسي
لمستُ تشكيكاً من بعض القراء في المواضيع التي افتتحت بها عودتي للكتابة في صحيفة "الرياض" العزيزة بعد ابتعاد دام تسع سنوات تقريباً. والتشكيك في كثير من الأحيان ديدن وليس محاولة للفهم وهو قفز على النتائج قد يكون مصيبا وفي كثير من الأحيان ليس مصيباً. وكثير من التشكيك ما يقوم على سوء النية في الكاتبة وعلى خلط الأوراق وتسرّع ليس من باب الحكمة في شيء. فحبذا لو أردنا التعليق أن يكون مبنياً على قراءة ممعنة وبعيدة عن الأحكام المسبقة حتى يمكن لنا أن نفيد ونستفيد.
في حديثي حول حوار الحضارات الذي عقد لأول مرة في مدريد بداية عام 2008للتقريب ما بين العالم الغربي، والإسلامي بناء على شراكة لا تبعية، لم يتسع لي المقام للدخول في بعض التفاصيل المهمة، وسوف أعرض لها باختصار.
لقد كان محفلاً يجمع بين متناقضات، فيما بين القيادات السياسية ومنظمات المجتمع المدني القيادات الاقتصادية والدينية وتجمعات الشباب الذين كان تمثيلهم الأكبر بين المجموعات المختلفة، فضلاً عن القيادات الإعلامية. مع ملاحظة وجود شبه مقاطعة لهذا التحالف من قبل الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا وألمانيا.
وكان الملاحظ أن هناك تنوعاً في اختيار الشخصيات المستضافة للجلسات العامة المفتوحة بحيث تمثل العالمين رمزياً. والتمثيل الرمزي أخذ منطلقه بدءاً من اختيار مدريد المدينة المضيفة لهذا المنتدى التي تمثل ملتقى للحضارتين الإسلامية والغربية، فقد أسسها المسلمون في القرن التاسع الميلادي وأطلقوا على نهرها مانزاناريس اسم المجريط نسبة إلى جريان المياه فيه وهو ما تخفف إلى مايريت ثم ماجريت ثم مادريت فمدريد. وجعلوا منها حصناً متقدماً لمدينة طليطلة التي تقع إلى الجنوب الشرقي منها. وبقيت في أيدي المسلمين حتى عام 1085م حين استطاع ألفونسو السادس الاستيلاء عليها، ومن ثم بدأت مرحلة تنصير مدريد. وما زال كثيرٌ من مواقع المدينة القديمة يحمل أسماء عربية.
وقامت إدارة المنتدى باختيار شخصيات للتحدث عُرفت بمزجها وانفتاحها في أعمالها ومواقفها بين الشرق والغرب. فهذا الكاتب البرازيلي النوبِلي باولو كويلهو الذي تحفل كتاباته بالرموز العربية والفلسفة الإسلامية والصوفية، والكاتب النوبلي النيجيري ولي سوينكا، وعلى المستوى العربي فقد كان تمثيل الشيخة موزة بنت ناصر المسند للمرأة العربية لاسيما الخليجية خير تمثيل بحملها مسؤولية الموقف بشكل متقن، كما أن إضافتها إلى المنتدى كانت ذات دلالة مهمة إذ أعلنت عن تبرع سمو أمير قطر بمائة مليون دولار لمشروع يدعى "صلتك" ليدعم الشباب في العالم العربي من الناحية العلمية والعملية. وعلى المستوى السعودي كان تمثيل سمو الأمير تركي الفيصل لنا لاسيما من خلال كلمته الموجهة إلى الجلسة الخاصة ب"تلافي صراعات الدين والسياسة على المستوى المحلي"، كان شفافاً وصادقاً مع النفس ومع الآخرين مما أكسبه تقدير كل من استمع إليه.