عندما يمنح القارئ ثقته لكاتب، فإنه يمنحه شيئاً غالياً خاصة في هذه الأيام،الكاتب الذكي هو الذي يستطيع أن يمسك زمام أموره مع قارئه منذ البداية، ويكسب معه قراء آخرين..الكاتب معني أول شيء في قارئه، لكنه أيضا معني بالنافذة التي يطل منها على القارئ، وهذه النافذة الاستقرار بها ضروري إلى حد كبير لأنها تعني عنوان الكاتب.. وهي تشبه منزله وجيرانه، وغرف المنزل التي تعوّدها وتعودته، وصار رقم صفحة عموده كرقم منزله جزءاً من سيرته الذاتية وملمحا من ملامحه الشخصية..
مهنة الكتابة قد تكون مهنة جميلة، ان تفتح قلبك ليغرف القلم منه ثم تنثره على القراء، أن تكون ناطقا بما ينبض به الشارع، أن تعبر عن ذلك، وكل ذاك له جاذبية كبيرة.. ولكن قد تبقى هناك امور تتعلق بالكاتب نفسه، اولها كيف يحافظ على مستواه في الكتابة، ليس المستوى فقط بل كيف يطور هذا المستوى، فالقارئ نفسه يتطور مع المحيط والأحداث، ما عاد الكاتب الفريد فريدا، بل جاء للكتابة نفر جميل من شباب النت، هؤلاء الشباب الذين تتوسع مداركهم باستمرار، ولديهم القدرة للتعلم والمثابرة ويملكون الوهج الرائع والحماس للكتابة،كما أنهم غير ملزمين بسياسة الجريدة أو المجلة فهم إضافة لما يملكون يملكون حرية واسعة بالتعبير.. لذا يبذل الكتاب الملتزمون جهدا كبيرا للحفاظ على هذا الوهج.
الوهج هذا عماده الصدق، فصدق الكاتب مع نفسه ومع ما يطرح هو الخيط الأول والمتين في الشبكة التي يرميها كصياد ماهر ليجذب قارئاً أمامه سيل من الكتاب فالقارئ ذكي لا يغفر النفاق والكذب، ولا التغليف بسلوفان الصدق إنما الصدق ذاته في كل مكان، عندما يرمي الكاتب هذه الشبكة، ويكون طُعمها الأول جملاً خفيفة وقصيرة فهي مدخل يستطيع من خلاله أن يمسك اللحظة الأولى للقارئ ليبقى معه.
يبقى العرض وأسلوبه، الأسلوب هو الذي يحفظ لنا القارئ حتى النهاية. فالموضوع قد لا تكون به جدة، ولكن به شرطان أساسيان هما الفائدة والمتعة .. أحيانا السخرية الخفيفة جزء من عملية الإمتاع.. إذا كان النقد لأحوال المعيشة والمجتمع ضرورة لكاتب العمود اليومي وشبه اليومي، فإن ذاك الكاتب وإن كان لا يكتب أدباً لكنه مطالب بالكتابة التي تمزج الأدب مع الحدث المعاش، ومع أحداث الساعة. ولعل أديبنا الجاحظ أول من انتبه وأكد على ذلك عبر جناحي الكتابة: الفكرة والأسلوب..
نخلص إذاً لابد للكاتب من خلطة جميلة، هذه الخلطة يعرف كيف يعرضها، وكيف يلقي بشباكه على قارئه،تضمن أن يستمر هذا القارئ معه حتى النهاية.إذا قلنا ان الصدق هو الخيط الأول.وحوله تلتف خيوط الأدب والمتعة وقصر الجمل، فالجمل الطويلة مملة، وكلما قصرت الجمل قصرت المسافة بين القارئ، وكاتبه المفضل.قد لايجد الكاتب الوقت والمساحة للعناية بالتفاصيل، لكنه ملزم بكسب رضا قارئه أو كسب قناعته ولكسبها يجب استمراره معه حتى النهاية وهذه النهاية واجب الكاتب أن لا يسرع بطرح نهايات فكرته قبل قرب انتهائها.. وأنا قد أبقيت شيئا للنهاية هي اللغة البسيطة القريبة من حياتنا اليومية.. قد نضطر لاستعمال العامية أو ما يسمى اللغة البين بين، لابأس فللضرورة أحكامها.