.. فما كان منه إلا أن دعاني على عجل لكي يبوح لي بسرّ الأسرار.. التقينا، كان خائفاً، حاولت طمأنته لكنه ظل يرتجف، لم أستطع قراءة وجهه ولا أصابعه، قلت له بلهجة جنوبية، تحاك. أعني قل شيئاً..
قال: لا أدري إن كان حلماً أم كابوساً. لقد رأيت المدير في المنام، وقلت له بصوت عال ما أضمره تجاهه. وكشفت له كل الملفات التي احتفظ بها ضده، والتي تستطيع ان تحيله إلى السجن أو التشرد في الشوارع لو علمت عنها السلطات.
وقلت له عن معرفتي بعلاقاته الغرامية التي لا تعرفها زوجته، قلت له كل شيء.. عرّيته. أهنته، هددته، انتقمت لكل السنوات التي أذلنّى خلالها وأهانني وحال دون ترقيتي..
كان المسكين يرتجف أحياناً وأحياناً يتحداني.. وكلما رفع صوته قمعته بملف آخر إلى ان انهزم تماماً.. وحينها وعدني بما أشاء من ترقيات واجازات ومناصب.. بل انه وعدني بأن يطلب تقاعداً مبكراً، إن أنا أحرقت هذه الملفات وسترت عليه كل عوراته.
بكى إلى أن سمعه الآخرون.. توسّل كثيراً، كاد يقبّل يديّ ورأسي. وكلما انحنى أكثر رفعت صوتي، احتشد الموظفون أمام المكتب. ألقيت عليه نظرة حاقدة وشجاعة وعدت إلى مكتبي..
جاء يستأذنني للخروج مبكراً، رثيت له، وأذنت له بالخروج، عاد سريعاً يحمل هدايا فاخرة لي ولعائلتي ومبلغاً كبيراً مما سرق. رفضت أن أبيع ذاتي وأهلي لحظة واحدة، تقدم بعض الزملاء لتناول الهدايا نيابة عني، وكأنه أمرهم بذلك، لكني بقيت على موقفي من هذا الكسب الحرام وعدت إليه ثانية في مكتبه، كانت صورة أبيه - رحمه الله - على المكتب وهو يقرأ القرآن، قلت له لا بد أن الوالد كان شريفاً، وأعطيته درساً لاذعاً في النقاء والاخلاص، انهار يقبل قدمي لكي أستر عليه. استيقظت وهو يقبل قدمي. ندمت على ما فعلت في ذلك الحلم..
والآن أود أن أعتذر له عما سببت له من أذى، وأريد رأيك.
قلت له لا تعتذر. لا تعتذر يا مجنون. تركني ونصيحتي وذهب ليعتذر - رحمه الله.