بحث



الخميس 5 ربيع الأول 1429هـ -13مارس 2008م - العدد 14507

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


في شأن أدونيس

بقلم البروفيسور: بيير برونيل
    من الصعب الحديث عن أدونيس بعد سعادة السفير القطري، ومن الصعب أيضا الحديث عن أدونيس أمام أدونيس نفسه. سأستقي رأيي هذا من كتاب سيصدر بعد أيّام، وقد أسعفني الحظ بأن حصلت منه على نسخة.

لقد خصّص "Dominique de villepin" في كتابه H™tel de lصinsomnie "نزل الأرق" صفحات عديدة لأدونيس ذكر فيها.. طيفه المتواضع الرقيق و"..أعماله التي هي في تجدد مستمرّ" والتي يتقدّم فيها وفيّا لجرح أزليّ لا يمكن فصله عن ولادة العالم وعن ولادة في العالم..." جاء من منطقة في العالم متقلّبة فعزم على كتابة الكتب، حتى كتب خلال هذه السنوات الأخيرة "الكتاب"، الكتاب الكبير... مثلما قال "ميلرماي" Mallarmژ.

هذا الكتاب ها هو "الكتاب" صدر في لُغته الأصليّة سنة 1995ثم صدر باللغة الفرنسية في شهر أكتوبر 2007عن منشورات في ترجمة لحوريّة عبد الواحد. وبالرغم من أنّه لم يكتمل بعدُ (إذ انّه قُدّم على أنّه الجزء الأوّل من الثلاثية) فهو كنز لا ينفد.

هو كنز لا ينفد هكذا "الرحل" الذي هو "لأرض" أدونيس مستحيل أن يُحاط به مثل "هذه الأرض التي لم تعد لنا أرضاً" حسب بيت المتنبي الذي يمثّل والذي أوّل كلام يتصدّر الكتاب ويقف على رأس فكرة لا تفتأ تتردّد، وتأمّل يتقدم موجة على إثر موجة كمياه البحر الأبيض المتوسط.

تبدو عبارة الشاعر العربي الذي عاش في القرن العاشر ميلادي كأنّها مفارقة من مفارقات الفلاسفة الذين سبقوا سقراط، وكالمفارقة الذي عُرف بها Fernando Pessoa، كما عرف، مصيرا متقلبا والذي تسمّى باسم مستعار، وتحدّث في ديوانه الأخير عن اللاشيء "الذي هو كل شيء".

المفارقة ليست فشلا في الفكرة، وإنّما هي أعمال للفكر من أجل المُضيّ إلى الأبعد والأعمق عبر غابة الأسرار.

ثم تجدد المفارقة منذ النص الأوّل، عندما ينوب الشاعر عن الراوي فيحدد طريقته الخاصة:

للفُرات ولدجلة وللقُدماء لغةٌ

غُموضها ووضوحها هما شِعري

"الكتاب" يحتوي لُغزا وهذا اللغز يتكلم بوضوح. وهو يُحيل على القدماء، ولكنه كتاب حديث. ينطلق من أرض هي بلاد سومر بلاد ما بين النهرين، ومع ذلك فهو ينفتح على العالميّ والكونيّ. ينشأ مِمّا هو عائلي (الذكريات العائليّة خاصة ) ومن عبارة أصبحت معهودة (الآية 17من سورة المدثر) من القرآن الكريم: (سارهقه صعودا) ولكنه يذهب بالقارئ من مفاجأة إلى مفاجأة.

هذا الأسلوب كان أسلوبBaudelaire ، وقد أُستخدمت هنا إحدى صوره، وهي "غابة من رموز" لتمثيل الجسد. كما كان أسلوب Max Jacob ، الذي تحمّل الجائزة التي أحرزها أدونيس، بكل جدارة.

لقد كانMorven le Gaژlique فخورا بطفولته البروطونية، ولكنه كان يستخرج من مزماره قصائد نثرية كانت نُصوصا مفاجآت ضمن لعبة خفاء وتجلّ مميّزة لقلقه الوجودي، كما كانت لعبة أخذ وردّ، لعبا ولعبا مُضادا.......

وقد عرف Max Jacobالشعر في كتابه "نصائح إلى شاعر شاب" مُستخدما المفارقة أيضا "لا وعي مُراقب" و"حُلمٌ مخترع" و"صراخ مكسوٌّ"....

إن الجمع بين المتناقضات في "الكتاب" يُهيّئ لانقلاب ظاهريا إلى العدم، غير أن هذا الانقلاب، الذي ينقلب بدوره، يفتح للأمل أفقا جديد. وبإزاء رجال السلطة الذين لا يُحسنون، حسب صوت الراوي، إلاّ أن يطبخ التاريخ في المراجل، يقف طبيخ الشعر لكل ما يبدو من المستحيل قطفه...السفر عبر هذه الطُرق التي تُؤدّ إلى اللاّمكان، والتي تضيف، على ما يرى Martin Heidegger ، إلى ما نظنّ أننا نعرفه ألوانا من الوحي لا ننتظرها:

قد يمكُثُ شُعاعٌ ويبقى

يقول لهذه المدينة: عيناك عمياوان

قد يمكُثُ طريق

يسير بالطريق إلى حيث لا مكان

كل شيء قد يبدو "غريباً" عن هذا الشعر، الذي هو شعر مكان آخر وزمان آخر ولغة أُخرى، والذي هو شعر Max Jacob، هذا التنظيم المُعقّد المبنيُّ على الأبجدية العربية قد يبدو غريبا. هذا التاريخ العربي الذي يجعل "الكتاب" قارئه يسافر خلاله منذ تأسّست الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى حدود القرن العاشر الميلادي، قد يبدو غريبا.

بل انّ الشاعر نفسه يُقدم نفسه على أنه غريب:

لكي أظل غريبا، بعيدا

حملتني كلمات نحو موطنها

وسقتني إكسيرنباتها

زمن جالس

كطفل على رُكبتيّ كي أقرأ ما يرسم الأفق على دفاتر مسروقة

من شروخ السماء.

ولكن Max Jacob لم يشعر أيضا بأنه غريب؟ ألا يدل إيقافه يوم 24فيفري 1944من قِبل الشرطة السياسية النازيّة(La Gestapo)على أنه كان ينظر إليه، وهو في بلاده وفي تاريخنا الحديث، على أنه غريب؟ ألم يكن يعلم أنّ كل شاعر إنما هو شأنه شأن غريبBaudelaire، ذلك الذي يأتي دائما من عالم آخر، وذلك الذي لا يكون في نظره حب القريب إلاّ بحُب البعيد حتى إذا كان البعيد هو "السُحُب العجيبة"؟

ذلك هو الأمر أيضا في نظري وقع كلمة "غريب" (أو كلمة "أجنبيٌّ") في هذه الجائزة المرموقة التي تمّ إسنادها إلى أدونيس.

ترجمة قيس الهمّامي

Traduction de Mr Ka•s Hammami


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية