هذه القصة التي قد يشاركني القراء إعجابي بها.. قد حدثت في زمننا المعاصر، مما يجعل الاقتداء بها سهلاً علينا.. ميسوراً لنا في مثل هذه المواقف أن نتحلى بمثل ما جاء فيها من تصرف، مع علمي أن تراثنا السابق على عصرنا زاخر بأكثر من هذا.. وأروع منه نبلاً، وحكمة، وحصافة.
وهذه القصة تحكي لنا أن رجلاً قال: زملائي وإخواني التجار تعلمون أننا مسافرون إلى تلك البلاد للتجارة بما رزقنا الله من اللؤلؤ والمرجان بعد جهد كبير في استخراجه من الخليج.. ولأننا جميعاً إخوان، ومن موطن واحد - فلا يصح أن نجعل من بضاعتنا ميداناً للتنافس والتسابق في البيع.. لأن تجار تلك البلاد التي نحن مقبلون عليها إذا رأوا ذلك فينا فسوف يشترون بأبخس الأسعار.. والرأي أن يشتري أحدنا كل ما عند الآخرين.. ويقوم هو ببيعه للتجار هناك في الهند على أن يعطينا الثمن عند عودتنا بعد البيع هناك..
@@@@
أعجبوا جميعاً بالفكرة.. وقالوا له: ليس بيننا أحد أجدر منك بهذا العمل.. ها هي كل بضاعتنا.. أنت صاحب الرأي والبيع فيها.. فأنت كبيرنا.. وأكثرنا خبرة وأوسعنا مالاً..
اشترى الرجل من كل تاجر منهم ما عنده من اللؤلؤ والمرجان، وأعطاه سنداً بقيمة المبلغ الذي اتفقوا عليه.
لم يدر بفكر واحد من التجارالصغار شيء غير الربح الذي حققه، وأن شيخهم الكبير فعل خيراً في ذلك.
كانت هذه لمحة خاطفة، وحكمة تصرف عظيمة.. بعد أن خسر هذا التاجر الكبير كل ما كان معه من اللؤلؤ والمرجان.. وما أكثره..
@@@@
كيف ذلك؟
والتجار وما أكثر عددهم وهو كبيرهم وأوسعهم تجارة ومالاً مسافرون على باخرة إلى الهند لبيع ما أعطاهم الله من اللؤلؤ والمرجان الذي يبذلون جهوداً خارقة في استخراجه من شاطئ الخليج..
وفي صباح يوم مشمس صعد هذا التاجر الكبير على ظهر المركب بحثاً عن الدفء، وفرش له خادمه فرشاً جلس عليه، ثم وضع عليه كل ما يملك من اللؤلؤ والمرجان، وجلس يصنفه، هذه هي القطع الكبيرة، وهذه المتوسطة، هذا لؤلؤ.. هذا مرجان.. هذا الفاخر.. هذا المتوسط.. وهكذا أخذ يجهز ما معه صنفاً صنفاً، وحجماً حجماً..
@@@@
وأثناء جلوسه ذلك تذكر أمراً يضطره إلى النزول، فترك الفرش وما عليه من أكوام اللؤلؤ والمرجان.. وذهب لهذا الأمر.. وفي هذه اللحظات جاء عمال المركب فظنوا أن الرجل قد انتهى من جلوس الشمس والتدفئة. فحملوا الفرش وقاموا بتنظيفه من حافة المركب في المياه.. وهم لا يعرفون ماذا ألقوا في البحر..
لقد ألقوا كل ثروة التاجر الكبير، لقد نظفوا كل جيوبه وخزائنه بتنظيفهم هذه السجادة التي كان يفترشها..
@@@@
عاد التاجر فلم يجد السجادة ولا الثروة التي كانت عليها..
لم يتكلم.. لم يقل شيئاً، لم ينفعل بما حدث، ولم يعتب على العمال، ولم تظهر عليه أي علامات التأثر بما وقع سوى أنه في لمحة فكر عبقرية تحدث إلى زملائه بما قلناه سابقاً في ضحى اليوم التالي.. وبهذا التصرف العبقري.. وبهذه اللمحة الثاقبة.. رزقه الله ضعف ما كان يرجو من جراء حصافته وعبقرية تصرفه، لقد باع التاجر ما كان قد اشتراه من زملائه التجار في مدينة بومباى - وتسمى في الوقت الحاضر موباي - وصادف ارتفاع أسعار الأحجار الكريمة ارتفاعاً كبيراً لم يتخيله هو ولا رفاقه الذين هم معه، وكسب نتيجة ذلك ضعف ما كان سيكسبه من بيع ثروته منفرداً.
@@@@
قصة هي إلى الخيال أقرب، لكنها الواقع الحقيقي الذي حدث منذ مدة حين كان التجار العرب يستخرجون الأحجار الكريمة من مياه الخليج، ويسافرون بها إلى الهند لبيعها..
وهذا الموقف يؤكد أن الله يرزق من يشاء بغير حساب.. ويعطي دليلاً على أن حسن التصرف ورباطة الجأش من عوامل الخير وأسباب السعادة.
@@@@
هذه القصة سمعتها من والدي وكان يتحدث بها - في إحدى جلساته مع أصحابه - عن الرجل الذي أسماه باسمه، وهنا يحسن التفكير في هذه الحادثة، ماذا كان سيحصل لو أن الرجل ثار وغضب وزمجر، وعرف عن أمره من معه على ظهر السفينة؛ أتصور أنه سيكون محل إشفاقهم وعطفهم، وعوضاً عن أن يكون هو أكثرهم ثراء سيكون أكثرهم فقراً مدقعاً.
@@@@
وإني حين أسوق مثل هذه القضة الواقعية فإني أدعو نفسي والجميع معي إلى التحلي بالصبر والثبات عند المواقف المفاجئة.. وحُسن التدبر والتفكير، وكظم الغيظ، والعفو عند المقدرة.. وألا يجرفنا الاستعجال في مواجهة الأمور إلى فعل قد (يزيد الطين بلة).
@@@@
وأني لأستهدي في ذلك بما جاء من قصص في القرآن الكريم.. التي أراد الله - سبحانه وتعالى - بها ضرب الأمثال للعظة والانتفاع بها في حياتنا. وإني لعلى يقين من أن هناك كثيراً من الناس يعرفون قصصاً واقعية تفوق ما كتبته حكمةً وتدبراً..
@@@@
ونقيض قصتنا تلك قصص أخرى أدت إلى عواقب وخيمة لأصحابها - ممن لم يحسنوا التصرف في المواقف المفاجئة ... فهل لنا أن نعتبر من هذه وتلك..
وفقنا الله جميعاً إلى الخير والصواب، والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد.
سجل معنا بالضغط هنا
1
مقال رائع معالي الدكتور/ محمد بن أحمد الرشيد
بارك الله في علمك وحكمتك
أ.سعد العبدالله- حائل (زائر)
UP 0 DOWN08:30 صباحاً 2008/03/11
2
صباح الخير //
كل مافهمتة من القصة ان التاجر فقد اللؤلؤ وهو ملك للجميع،، فكيف يكون قد باعه على التجار في الهند ؟!
ام ان ماباعة هو الحجارة الكريمة ؟ وهل الحجارة التي باعها في الهند لم يصعد بها اثناء جلستة،،
فهد محمد (زائر)
UP 0 DOWN08:52 صباحاً 2008/03/11
3
جميل يا ابو احمد.. إتباع الهوى من غضب وشهوه وغيرها تؤدي بألانسان الى الهلاك والامور هذي في رائيي تأتي بالتدريب وبالاستعانه بالله قبل كل شي.تحياتي
محمد عبدالرحمن (زائر)
UP 0 DOWN10:32 صباحاً 2008/03/11
4
ألي فهمته من القصة أن التاجر أخذ أصحبه على قد عقولهم ومنعهم من تحري الحقيقة حيث اشترى منهم بالسعر المعروف وباع بأعلى منه حيث حصل على ميزتين : الإحتكار والذي سيضمن له عدم تدهور السعر حيث أنه البائع الوحيد + فرق السعر حيث أن الأسعار تحسنت وإن لم تكن تحسنت فهو سيسيطر عليها من خلال إحتكار البضاعة.
أعتقد أن هذه شطارة وليست حسن خلق.
أبو محمد (زائر)
UP 0 DOWN11:27 صباحاً 2008/03/11
5
قصه رائعه ؟
ياليت ناس كثير تتعلم منها حسن التصرف وقت الشدائد؟
نعم هذا من اجمل ماسمعت؟؟
شكرا يادكتور الرساله واضحه
بادي السنافي (زائر)
UP 0 DOWN01:00 مساءً 2008/03/11
6
الدكتور محمد الرشيد حفظه الله
لقد كانت قصة مشوقة وهادفة وحتي في عرضها تجذب الانتباه
ياحبيبي يادكتور هل التاجر الكبير استلم مااشتراه وبذلك فقده بالبحر
ام بقي لديهم ثم يتصرف به لاحقا
ام تعمدت النهاية المفتوحة حسب طريقة المخرجين الفنتازيا
جاسم الشبلي (زائر)
UP 0 DOWN01:06 مساءً 2008/03/11
7
أتابع ماتكتب أستاذنا وأستفيد منه
ولدي إشكالية أبي محمد التي ذكرها ( الاستغلال والاحتكار )..
التاجر كان رابط الجأش , ولكن هل أحسن التصرف ؟
وهل يوافق تصرفه الأخلاقيات المهنية ؟
هل تبرر المآزق التي يقع فيها الشخصُ الاستغلالَ ؟
سعاد (زائر)
UP 0 DOWN03:44 مساءً 2008/03/11
8
جزاك الله خير يادكتور على الكتابات الرائعة
روح الحياة (زائر)
UP 0 DOWN12:49 صباحاً 2008/03/12