الرئيسية > الأخــيــرة

حول العالم

الوصاية الفكرية مهمة فاشلة منذ البداية


فهد عامر الأحمدي

مشكلة الرقابة - على الكتابة والفكر - أنها حالة نسبية مطاطة تعتمد على قناعات من يملك زمام الأمور.. كما أنها عرضه للتغيرات الاجتماعية والتأويلات الثقافية واتهامات الخروج على "النهج القويم"..

والمشكلة الأزلية - التي لم يوجد لها حل - اعتقاد كل جهة أنها صاحبة المرجع الوحيد في الوصاية على عقول الناس ومراقبة أفكارهم الخاصة؛ ولكن الحقيقة هي أن مجرد الوصاية الفكرية (ومحاولة جذب الآخرين لقناعاتنا الشخصية) فكرة خاطئة وغير منطقية منذ البداية.. فاختلاف الأهواء والآراء من طبيعة البشر لدرجة أنهم حتى حين يتفقون على ثوابت أساسية (في الدين مثلا) يرفقونها باختلافات تأويلية وتفسيرية وتحويرات تناسب نظرتهم الشخصية..

أما الأسوأ من ذلك فهو استغلال سلطة الوصاية الفكرية والسلطة الرقابية ليس لحماية الذوق العام - كما هي الحجة المعلنة - بل لترسيخ مصلحة سياسية أو فكرة إيدلوجية ضيقة يعتقد أصحابها أنها تخفى على عامة الناس.. ويصبح الوضع مضحكاً - أكثر - حين تناط مهمة "التقييم الفكري" إلى جهة وحيدة هي آخر من يعلم بجهلها المطبق وتعصبها المسبق وتأخرها عن حراك المجتمع.. ورغم أن ذهنية الرقابة الفكرية ماتزال شائعة في بعض المجتمعات إلا أنها بدأت تدخل (في العقود الأخيرة) ضمن دائرة المستحيلات بفضل التواصل العالمي المذهل عن طريق الانترنت والمحطات الفضائية ووسائل الاتصالات الحديثة..

وحتى نكون صريحين أكثر يجب أن نعترف أننا - السعوديين - أبطال العالم في "القفز الفضائي والالكتروني" الى خارج حدودنا الرقابية (ثم العودة للوطن بطقة زر).. فرقابتنا الثقافية لا تسمح مثلا بإقامة صالات سينما عامة ولكن بيوتنا تمتلئ بالقنوات الفضائية والأفلام السينمائية.. وفي حين توقفنا عن إصدار صحف ومطبوعات جديدة بدأنا بإنشاء عشرات المدونات والمواقع الإلكترونية.. وفي حين تنقصنا المجالس النيابية والمنابر الشعبية تحولت لدينا رسائل الجوال ومنتديات الشبكة إلى مجالس حرة تعبر عن آراء الناس وهموم المجتمع.. أما الانترنت فتحولت الى متنفس كبير تجاوزنا بفضلها حدود الثقافة والسياسة والجغرافيا، وغدت بديلا عن سطوة الرقابة وجمود الثقافة وحرية التعبير!

... ومن كل هذا ندرك أن الحدود الرقابية كلما شددت من جهه لابد أن تُكسر وتقتحم من جهة أخرى. ورغم أن مهمة الرقابة المعلنة حماية الهوية الثقافية والاجتماعية إلا أنها تكاد تكون مستحيلة وغير منطقية لأسباب كثيرة يصعب حصرها..

- فالرقابة الفكرية مثلا تتعارض مع طبيعة الإنسان كمخلوق حر ومفكر (وبالتالي) أفضل ما يمكن فعله هو العرض والتذكير (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر)..

- أضف لهذا أن القناعة (أو عدم القناعة) حق شخصي وإيمان ذاتي يصعب فرضه بالقوة مهما بدا لصاحبه مقنعا وسليما (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)!

- أما من ناحية "الكم" فمن غير المنطقي والمقبول أن تفرض جهة وحيدة (وربما ضيقة ومنعزلة) رأيها على مجتمع كامل يموج بالآراء والأهواء والتيارات الفكرية!

- وحتى لو أتيح لأي جهة وحيدة فرض رأيها الخاص (في الماضي) فيصعب عليها ذلك (في الحاضر) بسبب انهيار الحدود الإعلامية والثقافية بين الدول والمجتمعات!!

... وبناء عليه؛ الحل الوحيد يكمن في حُسن الظن، واحترام الآخر، وعدم تنصيب أي جهة لنفسها كمرجع ورقيب على نوايا الآخرين..

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 101

  • 1
    رائع يا أبوحسام !!
    مقال يفيض بالمنطقية والإتزان العقلي , بعيداً عن تحجر الأفكار والتعصب للرأي الذاتي.
    تعاملت مع كثيرين يفرضون أنفسهم عنوةً أوصياء على مجتمع مصغر (إستراحة-منتدى-نادي-...) بحجة الحفاظ على الدين والآداب العامة , متجاهلين تماماً إستقلالية الفرد الفكرية وحريته في الإختيار !!
    وياليت قومي يسمعون !!

    نايف عبدالله الفوزان - زائر

    04:20 صباحاً 2008/03/11


  • 2
    بالعكس فالوصاية الفكرية كانت ناجحة منذ القدم وبها تفوقت الأمم وحافظت على كرامتها وهويتها. أما الأمم التي دعيت لعدم فرض الوصاية الفكرية ففي الغالب أجبرها المنتصر على فتح ثقافتها لثقافته وبذلك ذابت ثقافتها في ثقافة المنتصر...ويكفي أن تنظر لحال مملكتنا قبل انفتاحها على الفضائيات والانترنت كيف كانت مشاكلها قليلة فلم نكن نعرف الإرهاب والإجرام المحترف وفظائع الجرائم مما نشاهده هذه الأيام وكيف أصبحت حالها بعد الانفتاح على زبالة الثقافات فكل البلاد للأسف عندما تتبرع بثقافتها تتبرع بالزبالة لا بالجواهر

    هشام النمري - زائر

    04:44 صباحاً 2008/03/11


  • 3
    شكرا لك
    مقال رائع

    خالد البخيت - زائر

    04:58 صباحاً 2008/03/11


  • 4
    كاتبنا المبدع ,,,
    أقف أجلالأً لسمو فكرك العظيم... وإن شاء الله في ميزان حسناتك ,,,

    أحمد - زائر

    05:38 صباحاً 2008/03/11


  • 5
    قال الله تعالى (كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر )
    تحت هذا النص الشرعي يجب ان تكون الرقابة...فماكان من امور في بلادنامخالفة لديننا فيجب ان تحجب...
    سواء كان ذلك فكرا او قولا او عملا
    وواجب الرقابه الفكريه ان تمنع عن الناس مايضرهم في امور دينهم حتى لو كانت اهواءهم معه
    وفي الشرع تطبق الحدود على المخالفات التي يتعدى تأثيرها الى غير مرتكبها مثل السرقة,الزنا,القتل.القذف...

    سحاب - زائر

    05:39 صباحاً 2008/03/11


  • 6
    كلامك منطقي ومعقول جدا وصعب عجله الزمن ترجع للوراء
    في مجتمعنا العربي الوصايه الفكريه مازالت موجوده
    صحيح بتتقلص ببطء!!!
    بس للأسف مازالت موجوده.
    شكرا أخي الكريم.

    أحمد إيهاب - زائر

    05:42 صباحاً 2008/03/11


  • 7
    سلمت يمناك يادكتور
    بصراحة مقال ذكي وقوي ورادع لكل جهة تسمي نفسها رقابة
    تناولت فيه نواحي شتى من أساليب التغييب والتعتيم والكبت وإخفاء الحقائق
    ولتبسيط الموضوع لمن لم يفهم القصد
    الدكتور يتحدث عن سطوة * في التضييق على المجتمع وسوء الظن به فيمنع وجود صالات السينما مثلا بحجة أنه سيفسد الذوق العام وسيمس القيم الدينية لدينا وأنه سيسبب زعزعة إستقرار الوازع الديني لدينا وعلى هذا المنوال من حجج واهية وغير منطقية
    وكذلك الحديث عن أصحاب الرأي الواحد الممانعين عن كل صوت قد يختلف معهم
    يتبع

    حقاني - زائر

    05:53 صباحاً 2008/03/11


  • 8
    فمثلا دور السينما التي لن تنشر خيرا في الغالب ودور النشر التي تنشر مايخالف العقيدة والفضيلة هؤلاء ضررهم يتعدى للغير tيجب منعهم
    اما حجة ان الناس يرون مايريدون في بيوتهم عبر القنوات الفضائيه
    اويقرؤون مايشاؤون عبر النت
    ولذلك علينا ان نعمم الشر بحجة وجوده عندالبعض فهذا مع اعتذاري حمق
    فارتكاب المعصيه بستر اهون من ان يقام لها صروح يجمع الناس عليها
    ومعلومه قصة حديث السفينه
    ومعلوم ان المجاهرة بالمعاصي توجب الهلاك للمجتمع
    والرقابه في كل الدول اكتب ان شئت في صحيفه اجنبية عن محرقة اليهود!!

    سحاب - زائر

    05:56 صباحاً 2008/03/11


  • 9
    موضوع رائع بارك الله فيك يا ابو حسام

    صالح - زائر

    05:57 صباحاً 2008/03/11


  • 10
    تابع
    فتجد من يكبتك ويمنعك من قول الحقيقة كما نرى في الصحافة فتجد الحجب وعدم النشر وقس على ذلك تأليف الكتب وتوزيعها رغم أنها كتب عادية لكنها ممنوعة من النشر والتداول لدينا
    عموما الحمد لله هذه الرقابات مهما كانت مشددة فإنها كما ذكر الدكتور لها علاجها ونحن كسعوديين أكثر من أجاد في هذا العلاج فنحن ولله الحمد لدينا القنوات الفضائية التي رحمتنا من سطوة غصب 1 وتخلفه
    ولدينا الإنترنت رغم الحجب إلا أننا أستطعنا من التواصل وأخذ مانريد من معلومات بدون الخوف من مقص الرقيب
    وقد قيل سابقا (كل ممنوع مرغوب)

    حقاني - زائر

    06:01 صباحاً 2008/03/11


  • 11
    أستاذ فهد السلام عليكم
    ليس هذا طرحك الرائع المعروف بل أني عدت إلى الاسم مرة أخرى لأتأكد من الكاتب.
    كنت أتمنى أن تقيد كلامك بدلا من الإطلاق العام فالوصاية مارسها النبي صلى الله عليه وسلم مع عمر لما رآه يقرأ التوراة، وعمر مارسها مع صبيغ بن عسل لما تكلم عن متشابه القرآن، والأمثلة كثيرة.
    وبناء على رفضك للوصاية الفكرية فينبغي للدولة وفقها الله أن تسمح بكتب ابن لادن والظواهري وكل منحرف بحجة أنه لا قيود فكرية في هذا الزمان، وحفظ الأديان مقدم على حفظ الأبدان.
    المنكر المستتر خير من الظاهر.

    عبد الله الشهري - زائر

    06:02 صباحاً 2008/03/11


  • 12
    يا سلام عليك..
    اكره ان يمنعني أحد من التفكير بصوت عالي..
    النت أوجد الفسحة..

    ابو جلنبوا من القطار - زائر

    06:02 صباحاً 2008/03/11


  • 13
    اسمعي يا جاره ( *)

    فهد محمد - زائر

    06:02 صباحاً 2008/03/11


  • 14
    كاتبنا المبدع ,,,
    أقف أجلالاً لسمو فكرك العظيم... والله يجعل كتاباتك في ميزان حسناتك.

    أحمد المرهون - زائر

    06:18 صباحاً 2008/03/11


  • 15
    نعم صدقت يااستاذ فهد في كل ماسطرته يداك في هذه المقاله. زمان الوصايه والمنع والرقابه الفكريه انتهي بتحرر وتعدد اشكال وفضاءات العلم والمعرفه. الكل حرُ فيما يعتقد نعم نتفق في الاصول ونختلف في الفروع لاضير في ذلك البته. الاختلاف نعمة وليس نقمه لكن متى يدرك القوم؟ وكل معرض كتاب وانتم بخير.
    تحياتي...

    عبدالرحمن - زائر

    06:27 صباحاً 2008/03/11


  • 16
    ولكن ماذ يكون موقفك لو وجدت الإنجيل بيد طفلتك وعندما تسئلها من أين؟ تقول من المكتبة!!
    فكل الكتب يسمح ببيعها في المكتبة!!!
    وماذا يكون موقفك ايضاً لو وجدت بيد ابنك كتاب يدعو للتكفير والإرهاب (قام بتأليفه احد المتطرفين)
    هل ستترك له الحرية في قرائته؟!
    اترك لك الجواب.

    سعيد - زائر

    06:30 صباحاً 2008/03/11


  • 17
    مرحبا أستاذ فهد , مقال مهم جدا بارك الله فيك , أنت تكلمت بلسان حال المجتمع الحقيقي وليس المزيف !!! فعلا ياسيدي أنه من المضحك جدا في هذا الوقت أن تعرض قضايانا ألاجتماعيه والثقافيه والفكريه على مجموعه عرفت بجهلها المطبق وألاهم تعصبها المسبق !!! وفعلا من غير المنطقي أن تكون جهه معينه هي التي تتصرف بالمجتمع الذي يموج بالاختلافات المنطقيه والثقافيه وخاصة بهد أنهيار الكثير من الحواجز بيننا وبين ألاخر !!! شكرا لك أخي فهد وبارك الله فيك...!!!

    فضل الشمري - زائر

    06:31 صباحاً 2008/03/11


  • 18
    شكلنا بنقول وين أبو حسام بكرة وبيقولون في أبو زعبل ه
    تسلم أناملك كلام جميل وحقيقي الصراحة.

    أبو فيصل - زائر

    06:43 صباحاً 2008/03/11


  • 19
    موضوع رائع جدا من كاتب تعودنا منه الروعة

    عبد الله بن عثمان ابن حسن - زائر

    06:50 صباحاً 2008/03/11


  • 20
    صباح الخير يا اعظم كاتب ( عرفته حتى الان)..
    الاستاذ فهد.
    مقالتك هذه من اجمل و افضل ما قرات بصراحة.
    و الدين نفسه أمرنا بالتفكير.
    و الرسول صلى الله عليه و سلم يقول :
    ( استفت قلبك و ان افتوك).
    وهذا يدل على سماحة الدين و اعتباره للعقل البشري.
    لكن الله يهدي بعض الناس.. اللي يحبوا يعملوا من نفسهم كنترول... يتحكموا
    حتى في نوايا الناس
    تقديري لك استاذي
    محب نذير محمد

    محب نذير محمد - زائر

    06:53 صباحاً 2008/03/11


  • عرض جميع التعليقات

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة