بحث



الأثنين 2 ربيع الأول 1429هـ -10 مارس 2008م - العدد 14504

عودة الى خزامى الصحارى

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


بلاغة الأمثال الساخرة في المأثور الشعبي والتراث الأدبي ( 2- 2)

عبدالله الجعيثن
    البلاغة صفة كالكرم والشجاعة، فهي طبع وموهبة، لهذا لا يلزم لها النحو والإعراب، فإن هناك عوام كلامهم أبلغ من بعض الدكاترة المختصين في النحو أو حتى البلاغة، فالدراسة شيء.. والموهبة شيء آخر، وأفضل معلق كرة قد لا يستطيع اللعب دقيقة واحدة.. وإن كانت الفصاحة تساعد على البلاغة والانتشار.. والأمثال من أبلغ الكلام.. سواء كانت فصيحة أم شعبية.. لأن الأمثال هي خلاصة تجارب الأمم وزبدة فكر الجماعة وثمار أشجار الحياة..

والأمثال الساخرة بالذات تجمع البلاغة والمتعة والفائدة..

وسنورد بعض الأمثال الساخرة البليغة التي تُركِّبُ معاني كثيرة على لفظ قليل:

(مجنون وطقّ بعصا)!

مثل شعبي مُشعٌّ بالإيجاز، يحمل معاني متكاثرة، ويصلح لمواقف مختلفة، فالفضولي حين تراه وقد شاهد تجمهر الناس على حادث، يركض (عاضاً ثوبه) تقول ساخراً:

مجنون وطق بعصا..!

والمشهور بالطمع إذا رأيته يسمع لمن يحدثه عن باب من الأرباح الخيالية وقد سال لعابه وبرقت عيناه وتوثب تقول:

مجنون وطق بعصا..!

و(الممرور) حين يخطئ عليه أحد أو يفهم ذلك بالغلط يثور لأنه عصبي ممرور فتقول: مجنون أوطق بعصا..!

وهناك مثل آخر يعبر عن العصبي الممرور العجل غير الموزون وهو:

(يثور في الراحة)

فقد شبهوه بالبندق (المرجوجة التي في داخلها عطب) فإذا حركت ثارت في يد محركها فأحرقتها أو قطعتها، والعصبي الممرور كذلك، لا تحركه والإثار في وجهك أو يدك، في داخله شر فالت!..

وفي عقله جنون بائت، فمجرد استفزازه ولو بالقليل يجعله يطلق الرصاص، لأنه فعلاً مثل المجنون الذي ضُربَ بالعصا، المجنون لا تُؤءمَن بوائقه بدون أن يضرب، فكيف إذا ضُربَ.. الله يكافي!

(ذَنَبء كلب)

وهذا مثل من كلمتين ولكنه يعبر بإيجاز بليغ عن معان كثيرة.. فقد ينصح الأب ابنه بترك عادة سيئة تضره وتشوه سمعته وسمعة الأسرة ويتعهد الابن بتركها ثم يراه الأب بعد أيام يعود لها ولما هو أشنع منها فيهز رأسه بأسى ويقول: "ذَنَبء كلب"!!

فالمثل يختصر الطبع المستقر في الإنسان حتى لو تكلف ضده، فكل إنسان يعود لشيمته وإن تخلّق أخلاقاً إلى حين، فالكذوب قد يتصنع الصدق أياماً لغرض ثم يعود لطبعه تماماً كالكلب لا يستطيع أن يتوقف عن تحريك ذنبه باستمرار، والمجرم الذي تجري الجريمة في دمه مهما يُسءجَن طويلاً ثم يُخءرج يعود لجريمته وذنب الكلب لو وضعته في قالب جبس عشر سنين ليستقيم فإنه لا يفيد، بمجرد إزالة الجبس يعود الذنب للروغان والميلان!!

"كُثءر التعب ما زاد في رزق الخواطيف"!

والخاطوف طائر في حجم العصفور لا يهدأ أبداً (يخوطف) طوال الوقت ولا ينام إلا قليلاً ولا يقف على شجر أو حجر أو أي شيء مما خلق الله فهو دائب الحركة دائم التعب ومع ذلك جسمه هزيل ورزقه قليل لأنه يتعب بدون تحديد هدف ويواصل الحركة بلا تمييز فهو مثل الذي يعمل ليل نهار بدون رسم هدف، وبدون قدرة على التمييز بين الضار والمفيد، فلا يزيد في خسارته إذا لم يصحب العمل بالعقل، والمثل يقدم لك الفكرة بشكل بليغ، ويؤيدها بالشاهد الواقعي (الخاطوف) أي بالدليل.. ومثله قولهم: (من خف عقله تعبت رجليه)!!

(عساها تبطي؟!)

مثل شعبي يقال للذي يغضب ويرغي ويزبد لأتفه سبب..

والمثل شبَّهه بالذي تصيبه نوبة الصرع بين حين وآخر.. ويقول له:

(عسى نوبة الصرع التي تصيبك ما تبطي)!!

فالمصابون بالصرع - شفاهم الله - أنواع فيهم من يفيق من الصرعة بسرعة، ومن يبطئ في صرعته كثيراً..

وبلاغة المثل أنه أثبت أن هذا الغضوب مصروع بشكل مفروغ منه، ولكن السؤال هو:

"لعل نوبة الصرع التي تصيبك دائماً تنفك بسرعة فقد تأكدنا أنك مصروع وهذا شر ملازم لك ولكننا نتمنى أن النوبة ما تطول إذا صرعتك فإن طولها يؤذيك ويؤذي من حولك"!

كل هذا المعنى الطويل عبر عنه المثل بكلمتين!!

وهو معنى رمزي في غاية الجمال!

(من غاب عن عنزه جابت تيس)!

وهو مثل يضرب للعواقب السيئة التي يحصل عليها من أهمل عمله وماله، فصاحب التجارة حين يتركها لعماله يبشر بالخسارة لأنه غاب عنها فلعب عماله فيها على طريقة المثل الشعبي الآخر:

(غاب القط العب يا فار)!

ومن غاب عن المقاول الذي يبني بيته أو عمارته فالغالب أن المقاول سوف يغش ويقلل الحديد للأسمنت ويمشي الأمور بأكبر كسب له وأكبر خسارة ممكنة للمالك، وقس على هذا..

وهناك مثل شعبي يختصر ذلك:

(مال تودعه بعه)!

فالذي يودع نخله عند غيره سوف يجده مهملاً عطشان ردئ التمر، والذي يودع غنمه عند غيره سيجدها نصفها هزيل ونصفها قد مات، والمثل يحض على مباشرة أمورك بنفسك (ما حك جلدك مثل ظفرك) وعدم الاتكال على الآخرين في الأعمال الهامة وإدارة الأموال فإن المخلص قليل والأمين أقل، وقد عبر المثل عن ذلك بشكل ساخر يبلغ الآخر: "من غاب عن عنزه جابت تيس" والعرب يفضلون أن تلد العنز عناقاً (أنثى) لكي تلد مستقبلاً ويكثر الحلال أما أن تلد تيساً فلا خير فيه فالتيس لا يحمل والتيس الواحد يغني عن مئة تيس!.. ولكنه لا يغني عن (عَنَاق) واحدة!

وطبعاً العنز لن تلد إلا ما حملت به حضر صاحبها أم غاب ولكنه إذا غاب ووكل عليها فقد يبدل الوكيل العناق التي ولدتها - إن ولدت عناقاً - بتيس لكي يستفيد هو!!

والمثل بعيد الدلالة على وجوب مباشرة الأمور حتى لا تضيع والبعد عن الاتكالية التي تورث الفشل لأن مصدرها التهاون أو الكسل وكلاهما عدو للنجاح..

(أبشر بطول سلامة يا مربع)

يقال في السخرية ممن يهدد وهو ضعيف، وهذا عجز بيت لجرير يسخر فيه من الفررزدق حين هدد رجلاً اسمه (مربع):

زعم الفررزدق أن سيقتل مُرءبعاً

أبشر بطول سلامة يا مربعُ!

(حثالة نحاس)

يضرب للإنسان الذي لا ينفع في أي شيء، فهو كبقايا النحاس لا يستفاد منها قديماً أما الآن فكل شيء يستفاد منه في عصر المال والعلم!.. ومثله قولهم (ما ينفع لا طبخ ولا شوي)!

(بعه بكلب سرق أهله)!

ويضرب هذا المثل لمن عنده شيء يضيِّق صدره: إما سيارة كثيرة الخراب، أو أسهم كثيرة النزول، أو حتى رفيق كثير الازعاج، ولا يوجد ارخص من كلب سرق أهله!


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى خزامى الصحارى

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية