الثقافة، طريق الانفتاح
على الآخر ..
العصر الحجري والعصر الرعوي ثم الزراعي والصناعي والآن نعيش زماناً يُطلق عليه عصر المعلومات رصد المؤرخون خلال تلك الحقب اختلاف المجتمعات في تقبلها للجديد ومن ثم الانتقال من عصر إلى آخر وأرجع بعضهم هذا التقبل إلى الاستعداد والقابليّة للانفتاح استناداً إلى القدرات الثقافيّة والأعراف والتقاليد وثراء التجارب بل إن بعض العلماء أرجع الاختلاف إلى الاستعداد أو القابليّة الجينيّة تجاه مدى قبول المعلومات والمستجدّات..!
وبصرف النظر عن تلك الرؤى ومدى واقعيّتها إلاّ أن الانسان، الكائن الاجتماعي بطبعه وفطرته يستحيل عليه الانكفاء على ثقافته الخاصّة والاكتفاء بها ومن ثم الانعزال عن بقيّة العالم فهو يؤثّر ويتأثر بمُحيطه القريب أو البعيد، ورغم محاولات بعض المجتمعات على مر العصور بناء حواجز وأسوار بغرض العيش بمنأى عن تأثير الآخرين ومنع انتقال الأفكار والمعتقدات والثقافات التي قد تُغيّر من سائدهم المتوارث إلاّ أنها لم تصمد طويلاً أمام قوّة اكتساح الجديد وشغف الناس بالمعرفة والتجديد ،وقد حدد الدكتور ميشيل توماسيللو في كتابه "الثقافة والمعرفة البشريّة" نشرته جامعة هارفرد عام 1999م آلية الانتقال الاجتماعي التي بإمكانها أن تحدث التغيير في السلوك والمعرفة خلال فترات قصيرة من عُمر المجتمعات وهذه الآلية هي التطوّر الثقافي الذي يُحقق خلال فترات زمنية تأثيرات أقوى وأسرع كثيراً مما يُحدثه التطوّر العضوي، ويُمكن القول بوجه عام إن الانتقال الثقافي عملية تطوريّة مشتركة تتصف بالاعتدال وتُهيئ لأفراد الكائنات الحيّة قدرة على اختصار قدر كبير من الوقت والجهد .
أما عالم علم النفس الثقافي "فيجوتسكي" فقد أكّد أننا كبشر كبار ناضجين حين نبحث ونتأمل الوجود البشريّ لانستطيع أن ننزع عن عيوننا نظارتنا الثقافيّة ونرى العالم متجرّداً من الثقافة أي عالماً غير مصبوغ بثقافتنا وذلك حتى تتسنّى لنا مقارنته بالعالم كما ندركه ثقافيّاً،من هُنا يقف الإنسان مدهوشاً أمام مطالبة فئة في مجتمعنا منع بعض الإصدارات والكتب والوسائل الاتصاليّة التي تحكي تجارب ومعارف وأفكارالآخرين زعماً بأنها تؤثر في العقائد والأخلاق وما أن يحين وقت المناسبات الوطنية مثل المهرجانات ومعارض الكتب والأسابيع الثقافية وما يصاحبها من عروض مسرحيّة أو فنيّة وسينمائيّة حتى يمتعضوا ولايهدأ لهم بال دون أن يجادلوا وأن يُعكّروا صفو المشهد بضجيجهم مما قد يُؤدي إلى ضرورة تواجد الجهات الأمنية منعاً لحدوث أي تصرّف طائش قد يخدش رقيّ تلك المناسبات الحضارية، قولوا لهؤلاء وفروا عليكم جهدكم فمن ذا الذي يستطيع ردّ الزمن على أدراجه؟؟