• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1437 أيام

معرض الكتاب ومسؤولية الثقافة

د. مشاري بن عبدالله النعيم

    ربما انني أحمّل الثقافة العربية فوق ما تحتمل ويبدو أن هذه الثقافة من "الرهافة" لدرجة أنها لا تستطيع أن تتحمل أي مسؤولية فأغلب المثقفين العرب هم من الذين ركبوا الموجة ويغردون دائماً خارج السرب ويمارسون كل ما هو ضد بناء ثقافة عربية خلاقة

؟ يظهر أن العالم العربي يشعر بأزمة القراءة التي تظهر وكأنها عقدة عند المواطن العربي حتى أن الأعداء يصفوننا بأننا أمة لا تقرأ، لذلك فنحن نحاول أن نعوض هذا النقص بتنظيم معارض الكتب فأنا أجزم أننا تفوقنا على كل الأمم في تنظيم هذه المعارض ففي الشهر الماضي كان معرض القاهرة للكتاب الذي يعد التظاهرة الأولى للقراءة في البلاد العربية وهذا الأسبوع معرض الرياض للكتاب الذي أصبح حدثا ثقافيا له قيمته وخلال الأسبوع القادم سيكون هناك معرض للكتاب في ابوظبي، حتى بت أشعر أنه سيقام معرض للكتاب في كل مدينة عربية، وهو شعور مفرح على كل حال. أنا لا أنتقد هذه الظاهرة ولا اعتقد أن ما نقوم به خطأ لكن الأمر، وأقصد هنا مسألة القراءة المتدنية في المجتمعات العربية، لا يمكن حلها فقط من خلال مهرجانات الكتب التي قد تساعد في نشر الكتاب لكنها لن تؤدي إلى تغير ظاهرة عدم القراءة عند المواطن العربي. المسألة مرتبطة بالتربية والتعليم وبأسلوب التنشئة على وجه الخصوص، ولأعطيكم مثالا عشته بنفسي عندما كنت أحضر لرسالة الدكتوراه في المملكة المتحدة فقد التحق ابنائي بالمدرسة وكانوا كل يوم يأتون البيت وهم محملون بكتاب أو كتابين للقراءة المنزلية وكان على الأب أو الأم القراءة مع الأبناء كأحد الوجبات المنزلية الإلزامية. تخيلوا معي أن هذا يحدث من السنة التحضيرية (قبل الالتحاق بالدراسة الرسمية) ويظل مع الطالب أو الطالبة حتى الالتحاق بالجامعة. لعل هذا يجعلني أتساءل عن وجود مكتبة في مدارسنا، فأنا حقيقة لا اعلم هل أصبح هناك مكتبة في كل مدرسة أم لا (فأثناء دراستي قبل الجامعية لا اذكر أبدا انني دخلت مكتبة المدرسة) كما أنني لم أشاهد أحد أبنائي وفي يده كتاب استعاره من مكتبة المدرسة (ولدي أبناء وبنات في كل المراحل التعليمية). ربما يكون من المجدي أن ترتبط معارض الكتب بإعادة تأهيل مكتبات المدارس لدينا (إذا كان هناك مكان في المدرسة طبعا يسمى مكتبة وإذا لم يتم تحويله إلى مستودع مغلق طوال العام).

ثقافة القراءة مسؤولية ثقافية عسيرة خصوصا في مجتمعاتنا "الكروية" و"الطربية" وأنا هنا لست ضد الكرة والطرب لكني مع القراءة التي أتمنى أن تحظى بربع الاهتمام بالكرة والطرب. هذه الأمنية لعمري صعبة بل مستحيلة التحقيق فنقل الأمة من حالة عدم القراءة إلى الاهتمام بالكتاب مسألة ليست بالأمر الهين وأذكر هنا مشروع الألف كتاب الذي قامت به بعض المؤسسات الثقافية في إحدى الدول العربية ومشاريع دعم الكتاب ونشره على نطاق شعبي يمكن الطبقات الفقيرة من الحصول عليه، وكلها مشاريع مهمة ومؤثرة لكنها لم تحل المشكلة ولن تحلها لأن الأمر مرتبط بالتنشئة والتربية والتعليم وليس فقط نشر الكتاب ودعمه ففي البداية نحن بحاجة إلى من يقدر الكتاب ويعي قيمته ويشعر بضرورته في الحياة. نحن بحاجة إلى صنع "جمهور" للكتاب على نطاق شعبي واسع فإشاعة القراءة ليست مسألة نخبوية بل يجب أن تكون ثقافة جماهيرية لأن هذا سيصنع سوقا للكتاب وسيشجع معرض الكتب وسيشجع الكُتّاب (وهو الأهم) على الكتابة لأنها ستكون مجدية ومجزية. جماهيرية القراءة يجب أن تكون هي المشروع القومي العربي القادم ويجب أن تكون هي الخطة الاستراتيجية الأساسية التي نمحور فلسفة تعليمنا حولها. يقول لي أحد الزملاء ان الثورة الإنسانية القادمة هي "ثورة الحكمة" بعد الثورات الثلاث السابقة (الزراعية والصناعية والمعلوماتية) وهذه الثورة تعني كيفية الاستفادة من المعلومات التي ستصبح متوفرة للجميع وكيف يمكن أن تكون جزءاً من الحكمة الذاتية. هل يمكن أن تصبح المعلومات جزء من حكمتنا الشخصية دون قراءة، هذا السؤال يجب أن نطرحه كسياسة تخطيطية تعليمية هذا إذا ما أردنا أن نكون جزءا من الثورة القادمة وأنا هنا أقول يكفي أننا لم نلحق بأي من الثورات الإنسانية السابقة (حتى الزراعية) فهل يمكن أن نعمل على أن نكون جزءا من ثورة الحكمة وقد اشتهرنا نحن العرب بالحكمة (التي لم تنفعنا كثيرا حتى الآن).

ربما أنني أحمّل الثقافة العربية فوق ما تحتمل ويبدو أن هذه الثقافة من "الرهافة" لدرجة أنها لا تستطيع أن تتحمل أي مسؤولية فأغلب المثقفين العرب هم من الذين ركبوا الموجة ويغردون دائما خارج السرب ويمارسون كل ما هو ضد بناء ثقافة عربية خلاقة، وهناك من المثقفين الذين يئسوا وهمشوا أنفسهم بعدما رأوا بوادر التهميش المجتمعي وآثروا السلامة واكتفوا بالمشاهدة وهناك من يحاول ويحاول دون جدوى حتى أن اليأس والقنوط ليظهر على وجوههم وعلى شعورهم "المنكوشة"، وهؤلاء يرون أنه لم يعد هناك أمل في العالم العربي المنقسم على نفسه فكيف نفكر في إشاعة القراءة وبناء جيل عربي يقدر المسؤولية ونحن لا نستطيع أن نحل مشاكلنا ولا نعرف كيف نقلل من انقساماتنا فعندما تنقسم فلسطين إلى دولتين قبل أن تكون دولة واحدة وعندما تفشل لبنان في اختيار رئيس وتتحول إلى مجموعة دول في دولة لا تتجاوز مساحتها بضعة آلاف الكيلومترات، فهذا مؤشر على الفشل الذريع الذي لا يمكن أن يؤدي إلى تشكيل ثقافة يمكن الوثوق بها. لا أريد هنا أن أخوض في مسألة السياسة ولا أريد أن احملها كل اللوم لأن تعليمنا في حقيقة الأمر يذكي التفرقة بدلا من أن يشجع القراءة ويشيع الاختلاف بدلا من أن يبنى الثقافة ويعيش الماضي بدلا من أن يوسع دائرة المستقبل وكلها حالات تبعث على اليأس والرغبة في الانزواء والخجل حتى من الخوض في أهمية القراءة وإشاعتها.

لنقل أن القراءة في احد أبعادها "سياسة" وسياسة القراءة ربما تكون مختلفة في كل توجهاتها عن قراءة السياسة، لذلك لا نريد أن نخلط الهم السياسي بالهم الثقافي على الأقل عندما نتحدث عن سياسة القراءة التي أتمنى، كما قلت، ان تكون سياستنا العربية القادمة بدلا من السياسة الدامية التي نمارسها في حق بعضنا. معارض الكتاب ظاهرة صحية أتمنى أن تتزايد وأتمنى أن يكون هناك كل يوم معرض للكتاب يقام في مدينة عربية تشجعنا على زيارتها والتعرف عليها. لكن حتى تصبح القراءة ثقافة جماهيرية تقرب العرب من بعضهم البعض وتعيد قراءة الخارطة السياسية العربية في المستقبل يجب أن نبدأ مبكرا من التنشئة الأولى ومن الخطوات التعليمية الأولى، يجب أن نبدأ من المعلم الذي يقرأ ويؤمن بثقافة القراءة حتى يستطيع أن ينقلها لطلابه، ولعل هذا هو بيت القصيد.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 6
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    د/مشاري تحية صباحية
    إن هناك إقبال كبير على قراءة الكتب ذات الطابع الفضائحي والجنسي ربما بسبب الكبت الجنسي وهناك ابتعاد متعمد عن الكتب ذات الطابع المتحذلق بسبب التفاوت الفكري والثقافي بين النخب والجماهير.
    ربما يرجع السبب في عدم أقبال الجماهير العربية على القراءة هو أن الهدف من التعليم اساسا هو الحصول على وظيفة وليس العلم والثقافة وكذلك أيضا الهم المعيشي فمن ينشغل بالبحث عن الرزق لن يجد متعة في القراءة أبدا.
    ولا ننسى أيضا أن الإعلام والثقافة العربية تخضع للنظام السياسي.

    طاهر (زائر)

    UP 0 DOWN

    10:15 صباحاً 2008/03/08

  • 2

    ما معنى "مثقفين"؟ مصطلح يطلق على فئة في المجتمع يراد بها نوعا معين من الناس؟ هل المثقفين هم "الاشتراكيين السابقين"؟ ام الفلاسفة في امور الحياة والدين؟ وهل الثقافة فقط مربوطة بالقدرة على أن تقرأ فقط؟ فقط كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقرأ هل يعني هذا انه "غير مثقف"؟

    عادل الصقر (زائر)

    UP 0 DOWN

    10:24 صباحاً 2008/03/08

  • 3

    تعريف الثقافة من وجهة نظري الخاصة والقاصرة :
    الثقافة باختصار : تعني تشذيب السلوك والفكر من خلال العلم والمعرفة وسعة الإطلاع على التراث الإنساني والحضاري.

    طاهر (زائر)

    UP 0 DOWN

    11:57 صباحاً 2008/03/08

  • 4

    إلى الأخ/ طاهر..
    هل العفة والطهر والنقاء والفضيلة أصبحت تسمى عند البعض (الكبت الجنسي)؟!!

    وهل انتشار الفحش والفجور والانحلال والشذوذ عند الغرب قد حد من إقبالهم على المجلات والمواقع والقنوات الإباحية ؟!
    هل اطلعت على الإحصائيات والدراسات الصادرة من بلاد الغرب حول مدى الإقبال على المواقع والأفلام والمجلات والقنوات الإباحية لكي تكون نظرتك للأمور أكثر دقة وموضوعية ؟!!

    عبدالله بن خالد القحطاني (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:23 مساءً 2008/03/08

  • 5

    منذ كنت في الصفوف الدراسية والمكتبة المدرسية موجودة لكن لايوجد الية للقراءة ولا حتى توجيه تربوي عن ماذا علينا أن نقراء ومن أين نبدأ..أما الاستعاره فتمنع منعاً باتا لازلت أذهب للمكتبات فأتوه بين الرفوف وأخرج بما أتوقع انه سيثري بعضا من وقتي وربما لم أجيد الاختيار الا فيما ندر..

    أبهاوية ن.ع (زائر)

    UP 0 DOWN

    03:30 مساءً 2008/03/08

  • 6

    الكبت الجنسي هو السبب في غلاء السلع
    وترى هو السبب في ارتفاع الإيجارات
    وهو السبب في كثرة حوادث السيارات
    وهو السبب في سرقة السيارات
    وهو السبب أيضا في انهيار الأسهم
    وهو السبب في تفشي الغباء بين القراء
    .
    سؤالي للأخ طاهر، وش تقصد بالكبت الجنسي، وش علاقته بموضوعنا !!

    ساهر (زائر)

    UP 0 DOWN

    04:39 مساءً 2008/03/08




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



نقترح لك المواضيع التالية

الخيارات

للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (235) ثم الرسالة

إعلانات