• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 484 أيام

مناهج إلى حد التخمة

د.عبد الرحمن الشلاش

    حين عاد الطفل الصغير من مدرسته..ودلف إلى المنزل والتعب قد أخذ منه كل مأخذ..والضجر والسأم قد طوقاه من كل اتجاه وعلامات السخط والغضب ترتسم على قسمات وجهه البريء والشرر يتطاير من عينيه.. رمى بحقيبته المدرسية المنتفخة والمتورمة بكل قوة على الأرض لتتدحرج بسرعة ثم تترنح ومن شدة قذفها والتي استغرقت كل قوى الصغير تطايرت الكتب والدفاتر والمساطر والأقلام من داخل الحقيبة لتتناثر على أرض الصالة في تشكيل فريد ومميز قل له نظير أو مثيل ولاحتى في لوحات الفنانين المبدعين..

بعد أن ألقى الصغير المثقل تلك الأحمال التي تنوء بالعصبة أولي القوة صرخ بأعلى صوته..ثم تأفف.. وضرب الأرض بشدة وركل بقدمه كل قطع الأثاث التي تنتظم الصالة طولا وعرضا..وبعد أن أفرغ جميع الشحنات المكبوتة داخله وهدأت ثائرته..وأزاح عن كاهله كل أثار الإعياء والإنهاك والإحباط..التفت إلى والدته- الواقفة في إحدى الزوايا تراقب الأحداث..وتدعو لصغيرها في سرها أن يعود إلى وعيه مرة أخرى- وقال بصوت جهوري يزلزل أركان البيت الصغير:" خلاص ما أبي مدرسه..ما نفهم..كل مدرس يفرد عضلاته علينا..وكل هالدراسة حفظ *حفظ..يعني مافيه ترفيه..حصة رياضة وحدة في الأسبوع..فصول تعبانة" ثم أخذ الصغير يتمتم بكلمات غير مفهومة ومضى إلى غرفته مسرعا لايلوي على شيء.

حادثة الطفل الصغير تحكي وتشخص وتجسد واقعا تعليميا يضرب بجذوره في عمق التاريخ..فمناهج وصلت إلى حد التخمة تتنافس بينها في تقديم كل شيء يؤدي إلي الحفظ والاستظهار ثم الاسترجاع..تطورت في شكلها دون مضمونها وتضخمت وزاد حجمها بمرور السنين.. ثم زاد وزنها بمرور الأيام زيادة أدت إلى ترهلها.. وظهور النتوءات المختلفة فيها لتقدم المعارف المغرقة في النظرية بطرائق تقليدية بدائية نمطية مملة تعتمد على الإلقاء..وملء أذهان الأطفال بالغث والسمين على حد سواء.

المناهج التي يتذمر منها الصغير الهائج تهدف إلى تضخيم الرؤوس وحشوها قدرالامكان بالمعلومات التي تظل تتراقص في رؤوس الصغار إلى أن يؤذن لها بالفرج غداة امتحان يكرم المرء فيه أو يهان.. لتنثر المعلومات على الصفحات البيضاء..وحينها تفرغ الرؤوس في انتظار القادم من الدروس.

مناهج تدور في أدنى مستويات التعليم"المعرفة"وقليل من"المشاهدة".. لكنها لا تدرب على المهارة..أو السلوكيات الحياتية..طلاب يجيدون نسخ البحوث ونقلها لكنهم لا يملكون طرق البحث أو التحليل أو المقارنة.. معلومات بعيدة عن أجواء التطبيق.. مناهج تعطي شهادات بدون مهارات..وتعلم طرق التعامل نظريا دون التدريب عليها عمليا.

بقيت عقول الصغار مقفلة"بالضبة والمفتاح" ومحيدة غير قادرة على التحليق في سماء الإبداع الفكري كونها لاتمتلك من المهارة مايساعدها على التفكير وحل المشكلات..ولتنتظر مايقدم لها من وجبات جاهزة في وعاء واحد دون مراعاة لأي فروق فردية.

لذا يتخرج الطلاب ليصطدموا بصخور الحياة القوية وعقباتها وأمواجها المتلاطمة مفتقدين للأسلحة التي تمكنهم من التغلب على تلك الصعاب.. وحتى تتغير الأمور وتتبدل الأحوال سيظل الصغير وأقرانه ومن يكبرونه أو يصغرونه في روحة وجيئة يومية دون تحقيق المراد إلا بعودة يؤبون منها وقد غنموا الفتات.. معلومات مخزنة ومهددة بالفقد في أي لحظة.



عدد التعليقات : 13
  • 1

    شكرا د.الشلاش على التطرق للموضوع
    كنا طلابا وعرفنا قيمة التعليم الصحيح بعد انخراطنا بالعمل واختلاطنا بالثقافات الأخرى العربية والأجنبية ووجدنا أن ما نحصل عليه في مدارسنا لايستعمل او يبقى الا لفترة وجيزة لاتتعدى يوم الامتحان وبعده لا شيء يبقى..
    وهذا يرجع لكثير من الأمور منها :
    _طريقة التعليم _الأعداد من معلمين وطلبه _المناهج
    وغيرها كثير يحتاج للتقييم والدراسة من جديد لاننا لابد ان نستثمر في الأنسان وهو انجح أستثمار للجميع
    وشكرا

    بدر (زائر)

    05:57 صباحاً 2008/03/08

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 2

    دكتور/ عبد الرحمن الشلاش حفظك الله،
    مقال تربوي ممتاز، يفسر أسباب قتل الموهبة والإبداع وأسباب
    وتراكم العقد النفسية في الجيل الحديث، الذي يخرج للحياة، ويتعلم
    الكثير ويفهمها ويفسرها بطرق بسيطة جداً، خاصة إذا كانت أمه لبقة
    تشرح فضوله المتنامي بطريقة علمية، ونلمس من الطفل قبل دخوله
    المدرسة الذكاء والموهبة ممايجعل المحيطين به يستبشرون خير
    لمستقبل هذا الطفل الهادئ الذكي، الذي يبدئ يظهر عليه التبلد
    والتوتر من السنة الدراسية الرابعة، عندما تتغير طريقة التعليم من
    الإطلاع إلى طرق الحشو المبهمة.

    ابو عبد الكريم1 (زائر)

    05:59 صباحاً 2008/03/08

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 3

    يا سلام عليك يا دكتور عبدالرحمن الشلاش نعم يدخل ابناءنا الصغار وعقولهم متفتحة تريد أن تتزود بالعلم النافع وبعد سنيين تخرج من المدارس أجسام كبيرة و عقول صغيرة لم تستفيد شيء يساعدهم على الحياة 0 متى تفيق وزارة التسمين و التحفيظ من سباتها0

    غبدالله الغامدي (موظف متقاعد) (زائر)

    07:47 صباحاً 2008/03/08

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 4

    الله يعطر أيامك..كثر ما عطرنا مقالك اليوم بخصاله التربوي طبي؟
    بس ما تشوفها..كبيره على فكر وزاره..في الاصل ,, مرض لمنسوبيها!
    وكثير ما تجعل طرق تعاملها معهما مجحفه وممرضه!
    وأقلها..القلق النفسي!
    ومعايير مزايين الترقيات,الحوافز,الانصاف التربوي العدلي!
    باب النجار مخلاع يا,د/ بن شلاش..؟
    أنت تنفخ في قربه مو..مخرومه..مطروبه بمفك تكسير الثلج!
    الابناء ملف تجارب التربيه والتعليم؟
    وغدآ..سوف نجد أبنائنا مثل أريل دوريه شرطه يترنح من الميلان!
    وأصبح مثل الربيانه..ويصبح مثل مباني الوزاره كثير الترميم؟!

    ( بدر اباالعلا ) (زائر)

    08:52 صباحاً 2008/03/08

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 5

    هل تريد حلا سحريا لهذا المشكلة ؟.!
    .
    أنا لدي حل.!
    .
    يتم وضع تقييم بالكمبيوتر للمناهج والأساتذة والمدارس، يقوم الطلبة بتنفيذ هذا التقييم كل نهاية سنة، لكي يبينوا مدى رضاهم وإقتناعهم بما يتعلموه.
    ويبينوا مدى رضاهم عن مدرسيهم ورأيهم في كفاءتهم.!
    .
    بعدها... تعال، وشوف الفضائح.!

    مريم إبراهيم (زائر)

    10:00 صباحاً 2008/03/08

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 6

    من الظلم تحميل وزارة التربية والتعليم الخلل في المناهج وحدها هناك أكثر من جهة شركاء في القضية.
    أنا من وجهة نظري الخاصة أرى أن ثقافة المجتمع هي المسؤولة عن ذلك.
    وحتى يتم تطوير المناهج لا بد من تطوير الإعلام بكل قطاعاته وكذلك تطوير المكتبات وآلية الرقابة على الكتاب وبعد سوف تكون الأرضية جاهزة للتطوير.

    طاهر (زائر)

    11:17 صباحاً 2008/03/08

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 7

    اسعد الله صباحك أبا هشام
    مقال رائع يلامس احاسيس كافة افراد المجتمع وحتى لا نفجع بأجيالنا... يجب على العلماء والمربين والحكماء أن يعيدوا النظر في منهجية التعليم وطرائقه, فليس العلم والثقافة مجرد الحفظ والحقائق الجاهزة, بل العلم والثقافة امتلاك المنهج المنضبط, وتنمية قدرات التعليم الذاتي, والبحث عن الحقائق بواسطة تحليلها وتركيبها, وإلا فإن في نمط التعليم التلقيني الذي أدمناه من مرحلة الروضة إلى مرحلة الجامعة

    ابو حمد (زائر)

    11:20 صباحاً 2008/03/08

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 8

    وفي مجرد تكرار المحفوظ وإعادته كسلاً للأذهان وتلبداً للمدارك, تصبح فيه العقول سجناً مظلماً كئيباً لا تطلع عليه شمس ولا ينفذ إليه هواء.
    انفلقت بيضة الحضارات البشرية عن كبرى حقائقها القائلة "إن الدواة والقلم وسيلتان لتطهير صداءة الأذهان, وإزالة جهالة العقول, وتحرير النفوس من أغلال وآسار الأمية العمياء".
    في ظل التغيرات العالمية الحالية و إفرازات العولمة، أمام الأنظمة التربوية في العالم العربي فرص للإسراع من اجل تدارك الوضع

    ابو حمد (زائر)

    11:22 صباحاً 2008/03/08

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 9

    و تغيير أنماط التعليم الجاري ليخدم الفرد الصالح، القادر على البناء و المساهم في التغيير من اجل آفاق واسعة للتنمية البشرية.
    إن تحديث البرامج و عقلنة الفعل البيداغوجي من خلال دمج و ربط التربية مع الشروط التي يفرضها المحيط الاجتماعي و الاقتصادي كفيل بتفعيل المتكونين و تأهيلهم نوعيا من اجل تحسين المردود التربوي و الاجتماعي.

    ابو حمد (زائر)

    02:23 مساءً 2008/03/08

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 10

    و من جهة أخرى فإن الانفتاح على الخبرات الإنسانية التنموية الناجحة و استغلال التكنولوجيا الجديدة للإعلام و الاتصال يزيد من كفاءة المنتوج التربوي و يجعله واثقا و قادرا على المنافسة دون الشعور بالنقص و فقدان الثقة.

    ابو حمد (زائر)

    02:25 مساءً 2008/03/08

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 11

    مساء الخير كاتبنا الكبير وشكرا على مقالك المميز
    اليوم هذا المقال يركز على المناهج وما أدراك ما المناهج وماجابنا ورا
    الا المتعوسه اللي هي المناهج,مقررات براقة الشكل من الخارج لكنها خاوية
    بالمحتوى الداخلي لاتسمن ولاتغني من جوع.
    الطالب يقعد يحفظ طول السنه عشان يجي في أخر السنة ويكتب كلمتين حي الله وينجح بس وين يروح مثله مثل غيره شهادة بيد ما أحد يقبلها منه.
    وتدرون الطامة الكبرى لولا الدروس الخصوصية كان علوم, وحتى مواضيع التعبير
    تفرض على الطلاب يعني عقول بمقاس واحد وياعيني على المناهج.شكرا.

    أم محمد (زائر)

    02:45 مساءً 2008/03/08

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 12

    اي تخمة مناهج الله يرحمنا!! الله الله الله لو يرسلوا لجان رفيعة المستوى الى اليابان ليطلعوا على المدارس الحكوميه النمو>جيه ويسعون لتطبيق السياسه التعليميه لديهم بما يناسبنا وكيفية التعامل مع العقل البشري بطريقه تحير العقل من هالمنطلق يجب نخل واعادة هيكلة التعليم وتركيزا على المراحل الاولى من عمر الطفل من 4سنوات وحتى نهاية المرحله الثانويه وان تفوق الشعب الياباني علميا ومهنيا على مستوى العالم خير دليل على اتباع سياستهم التعليميه( لان خطط التعليم لدينا تناسب خمسين سنه ورا)

    سيف الحق (زائر)

    02:47 مساءً 2008/03/08

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 13

    مناهج الى حد التخمه
    شكرا ل.د. الشلاش
    على هذا المقال الذي يحكي ازمه المناهج لدينا بشكل آخر

    reem (زائر)

    10:11 مساءً 2008/03/08

    ابلغ عن هذه المشاركة




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

إعلانات