حين عاد الطفل الصغير من مدرسته..ودلف إلى المنزل والتعب قد أخذ منه كل مأخذ..والضجر والسأم قد طوقاه من كل اتجاه وعلامات السخط والغضب ترتسم على قسمات وجهه البريء والشرر يتطاير من عينيه.. رمى بحقيبته المدرسية المنتفخة والمتورمة بكل قوة على الأرض لتتدحرج بسرعة ثم تترنح ومن شدة قذفها والتي استغرقت كل قوى الصغير تطايرت الكتب والدفاتر والمساطر والأقلام من داخل الحقيبة لتتناثر على أرض الصالة في تشكيل فريد ومميز قل له نظير أو مثيل ولاحتى في لوحات الفنانين المبدعين..
بعد أن ألقى الصغير المثقل تلك الأحمال التي تنوء بالعصبة أولي القوة صرخ بأعلى صوته..ثم تأفف.. وضرب الأرض بشدة وركل بقدمه كل قطع الأثاث التي تنتظم الصالة طولا وعرضا..وبعد أن أفرغ جميع الشحنات المكبوتة داخله وهدأت ثائرته..وأزاح عن كاهله كل أثار الإعياء والإنهاك والإحباط..التفت إلى والدته- الواقفة في إحدى الزوايا تراقب الأحداث..وتدعو لصغيرها في سرها أن يعود إلى وعيه مرة أخرى- وقال بصوت جهوري يزلزل أركان البيت الصغير:" خلاص ما أبي مدرسه..ما نفهم..كل مدرس يفرد عضلاته علينا..وكل هالدراسة حفظ *حفظ..يعني مافيه ترفيه..حصة رياضة وحدة في الأسبوع..فصول تعبانة" ثم أخذ الصغير يتمتم بكلمات غير مفهومة ومضى إلى غرفته مسرعا لايلوي على شيء.
حادثة الطفل الصغير تحكي وتشخص وتجسد واقعا تعليميا يضرب بجذوره في عمق التاريخ..فمناهج وصلت إلى حد التخمة تتنافس بينها في تقديم كل شيء يؤدي إلي الحفظ والاستظهار ثم الاسترجاع..تطورت في شكلها دون مضمونها وتضخمت وزاد حجمها بمرور السنين.. ثم زاد وزنها بمرور الأيام زيادة أدت إلى ترهلها.. وظهور النتوءات المختلفة فيها لتقدم المعارف المغرقة في النظرية بطرائق تقليدية بدائية نمطية مملة تعتمد على الإلقاء..وملء أذهان الأطفال بالغث والسمين على حد سواء.
المناهج التي يتذمر منها الصغير الهائج تهدف إلى تضخيم الرؤوس وحشوها قدرالامكان بالمعلومات التي تظل تتراقص في رؤوس الصغار إلى أن يؤذن لها بالفرج غداة امتحان يكرم المرء فيه أو يهان.. لتنثر المعلومات على الصفحات البيضاء..وحينها تفرغ الرؤوس في انتظار القادم من الدروس.
مناهج تدور في أدنى مستويات التعليم"المعرفة"وقليل من"المشاهدة".. لكنها لا تدرب على المهارة..أو السلوكيات الحياتية..طلاب يجيدون نسخ البحوث ونقلها لكنهم لا يملكون طرق البحث أو التحليل أو المقارنة.. معلومات بعيدة عن أجواء التطبيق.. مناهج تعطي شهادات بدون مهارات..وتعلم طرق التعامل نظريا دون التدريب عليها عمليا.
بقيت عقول الصغار مقفلة"بالضبة والمفتاح" ومحيدة غير قادرة على التحليق في سماء الإبداع الفكري كونها لاتمتلك من المهارة مايساعدها على التفكير وحل المشكلات..ولتنتظر مايقدم لها من وجبات جاهزة في وعاء واحد دون مراعاة لأي فروق فردية.
لذا يتخرج الطلاب ليصطدموا بصخور الحياة القوية وعقباتها وأمواجها المتلاطمة مفتقدين للأسلحة التي تمكنهم من التغلب على تلك الصعاب.. وحتى تتغير الأمور وتتبدل الأحوال سيظل الصغير وأقرانه ومن يكبرونه أو يصغرونه في روحة وجيئة يومية دون تحقيق المراد إلا بعودة يؤبون منها وقد غنموا الفتات.. معلومات مخزنة ومهددة بالفقد في أي لحظة.