لم يتسنَ لي تلبية دعوة قناة "العربية" الى الاحتفال بعامها الخامس. أسباب طارئة حالت دون مشاركتي في تلك المناسبة التي جمعت خلاصة سياسية وفكرية واعلامية.
لكنها مناسبة تستحق التوقف والتأمل جيداً، ليس لأن مؤسسة M.B.C، التي سبق ان اطلقها الشيخ وليد الابرهيم من لندن، جاءت الى دبي لتسابق تلك الامارة التي تمتطي صهوة النمو الاعجازي، على ما هو معروف، فانطلقت قناة "العربية" التي تضاعف حجمها عشر مرات، بل لأن تأثير "العربية" وفاعليتها تضاعفا مئات المرات.
ليس سهلاً على الاطلاق ان ترسم وسيلة اعلامية مرئية خطاً تصاعدياً سريعاً في النجاح والانتشار لاسباب كثيرة، وهي اسباب لا تتوقف بالطبع عند عوامل المنافسة الحادة القائمة في سوق الفضائيات العربية التي تزدحم بها سماء المنطقة والعالم، بل لأن طبيعة الانظمة السياسية في المنطقة العربية تفرض على وسائل الاعلام "فن السير المتعرج" بين النقاط.
يبدو ان وليد الابرهيم وطاقمه الاعلامي في العربية نجحا في رسم خط للسير المستقيم وسط تلك النقاط ومن دون مظلات أيضاً، ربما لأن الدراية في مقاربة الاحداث والتطورات وطريقة الاضاءة على الخبر من دون اصابة العيون ب"الابهار" او حتى بالعمى، ولأن الاعلام الذكي هو الذي يعرف كيف يحك الجروح من دون أن يدميها...
هذه قواعد تُعلِّمها المعاهد الكبرى للاعلام في العالم. ولكن شتان بين نظرية نتعلمها وقاعدة نطبقها وسط التناقضات العاصفة في عالمنا العربي.
واذا كانت "العربية" اختارت في هذه المناسبة شعار "خمسة أعوام في حجم الحدث"، فإن ذلك لا ينطوي على أي مبالغة او مشاوفة، إذ يكفي ان يحاول المرء الذي يتابع عشرات الفضائيات العربية تذكُّر آخر تقرير شاهده لكي يرتسم في مخيلته ذلك "اللوغو" الذي يمثل مجموعة من حدقات العيون تبحث عن الحدث وتدقق فيه!
خمسة أعوام من الحك على الجروح ولكن من دون نقطة دم واحدة، ومن دون الحاجة الى إقتحام البيوت والعيون فالعقول باللجوء الى قرع طبول الاثارة لتجميع الناس كما يقال، ربما لأن السهر على الدقة والموضوعية والشمولية يرسم خطاً اكثر تاثيراً في الناس وفي مواظبتهم على تلك الشاشة الصغيرة.
في الاحتفال الذي اقيم لمناسبة انتقال M.B.C. الى المدينة الاعلامية في دبي، والاعلان عن اطلاق "العربية"، قلت لوزير الاعلام الاردني السابق الصديق صالح القلاب:
"في هذه الامارة الجامحة العمران مئات الابراج، لكن قناة تلفزيونية موضوعية مثابرة وناجحة يمكنها ان تصل الى نقطة في الفضاء لن يبلغها عمران".
الآن تستطيع المخيّلة ان ترى "العربية" كأعلى برج في الخليج.
نقلا عن جريدة النهار اللبنانية
راجح الخوري