الجمعه 29 صفر 1429هـ -7 مارس 2008م - العدد 14501

كلام الليل

غزة صباحاً .. غزة مساء

أحمد أبو دهمان

    كان "طبيب" القرية مصرياً من غزة. والحقيقة أنه كان ممرضاً. ولكنه ينطبق عليه ذلك التعبير العربي المحنّط "طبيب بارع" أو ماهر. المهم لم أعد أذكر ذلك التعبير العجيب، وكان يعالج كل الأمراض التي لم نكن نعرف أسماءها.

يومها قامت الثورة اليمنية بمساندة ناصرية مطلقة. وأصبحت الطائرات المصرية تعبر أجواء القرى صباحاً ومساء لضرب خميس مشيط أو أبها وبعض الطيارين "الشرفاء" كما يقال في لبنان اليوم، كانوا يرمون حمولتهم على رؤوس الجبال وبطون الأودية الخالية.

على إثر هذا الخلاف، عاد الطبيب الغزاوي ورفاقه من كل القطاعات إلى بلادهم.

وذات صباح، وجدت القرية نفسها أمام ممرض باكستاني ضمن توجه المملكة يومها لدعم مشروع التضامن الإسلامي ولم نعرف لماذا باكستان إلا بعد أن كبرنا كثيراً ورأينا أن الحسابات السعودية كانت محسوبة بدقة، لم يكن الممرض الباكستاني يعرف من العربية إلا "حبة صباح.. حبة مسا".. وشاع هذا التعبير في أوساط الفلاحين والفلاحات وأصبح له إيحاءات واستخدامات أخرى عجيبة.. كنا في الابتدائية يومها. وجاء أساتذة من الشام والأردن وفلسطين والسودان، واكتشفنا معهم اللغة الثورية وفلسطين كقضية مركزية للعرب، وسمعنا تعابير جديدة مثل الوطن العربي الكبير، العالم العربي.. وغيرهما.

والتقطتُ منهم عبارة "التقدم والرقي والازدهار" وأصبحت استخدمها في مادة التعبير باحتراف كبير مما دفع بعضهم إلى التنبؤ بأني سأصبح صحافياً كاتباً في يوم ما. ولم يخب ظنهم. أو نبوءتهم. مثل كل التنبؤات العربية، ولم نسمع أبداً بمقولة "الفقر والجهل والمرض" إلا مؤخراً على أيدي منظّري العالم الثالث المتشائمين.. أما أنا وزملائي وأصدقائي ومنهم رؤساء تحرير كثيرون، فقد بقينا في دائرة "التقدم والرقي والازدهار" وفلسطين صباحاً ومساءً منذ خمسين عاماً ثم توجتنا الحياة "بغزة صباحاً .. غزة مساء" والغزة تعني الوخز في الجسد بلهجة القرية. إلى أن اكتشفنا أن التقدم والرقي والازدهار والكتابة مآلها "غزة صباحاً .. غزة مساء" والآتي أكثر وخزاً .. وإن غداً لناظره قريب.