لم يكن المخرج الإسرائيلي (إيران كوليرين) يعتقد أن أولى تجاربه السينمائية سترى النور في الوقت الخاطئ تماماً، ذلك أنه عندما بدأ تصوير فيلمه (زيارة الفرقة الموسيقية) نهاية العام 2006كانت الظروف في فلسطين مهيئة لاستقبال رسالة الفيلم الإنسانية، فقد أُنجزت حينها الانتخابات الفلسطينية وتسلمت حماس القيادة بسلاسة جعلت الجميع يؤمن بإمكانية حصول تغيير في المنطقة، إلا أن الانقلاب على السلطة الذي دبرته حماس وانقسام الفلسطينيين بين غزة والضفة والمجازر البشعة التي تشنها ولا تزال القوات الإسرائيلية جعلت من هذا الفيلم الإنساني يضيع وسط ضجيج المجازر وصخب السياسيين الطامعين في مكاسب شخصية.
يحكي الفيلم قصة بسيطة تجري أحداثها في يوم واحد وأبطالها أعضاء الفرقة الموسيقية التابعة للجيش المصري التي جاءت من الإسكندرية إلى إسرائيل من أجل إحياء أمسية موسيقية. يصوّر أول مشهد في الفيلم أعضاء الفرقة وهم في داخل إسرائيل ينتظرون وصول الحافلة التي ستقلّهم إلى المدينة التي سيقام فيها الحفل، إلا أن خطأ يرتكبه أحد الموسيقيين المصريين يغير وجهة الفرقة إلى قرية تقع على هامش إسرائيل في أطراف صحراء النقب حيث العزلة والصمت وقلة من السكان اليهود المسالمين. وفي لحظة وصولهم لهذه القرية الهادئة يدرك أعضاء الفرقة أنهم أخطأوا وأن عليهم كي يصلوا إلى مكان الحفل أن ينتظروا حتى صباح اليوم التالي لأن الحافلة لن تأتي قبل هذا الوقت. عندها يجبرون على الاحتكاك بسكان القرية وتنشأ بين الجميع حوارات ومواقف تنضح بالإنسانية ويذوب من خلالها الحاجز بين ما هو عبري وعربي.
الفيلم يتميز برتمه الهادئ وبالأداء الجميل للممثلين خاصة قائد الفرقة العجوز والسيدة الإسرائيلية (دينا) التي تعشق صوت أسمهان والأفلام المصرية الكلاسيكية. إضافة إلى أنه يقدم وجهة نظر الناس البسطاء الذين لا علاقة لهم بالنزاع وأقصى ما يتمنونه العيش بسلام، واختيار قرية هادئة كمسرح للأحداث يبدو ذكياً وموائماً لتقديم وجهة النظر هذه، حيث يغلب على سكان القرية القليلين سمات الهدوء والسكينة والابتعاد عن مشاعر الانفعال التي تسيطر على سكان المدن عادة بسبب سيطرة وسائل الإعلام، ما يتيح الفرصة لالتقاء العرب بالإسرائيليين في ظروف إنسانية طبيعية مجردة من عوامل الشحن والاحتقان. في هذا المكان تختفي السياسة وتتجلى الروح الإنسانية ويعلو صوت الشكوى التي يبثها قائد الفرقة العربي لتستقر في صدر السيدة (دينا) صاحبة المطعم التي استقبلتهم من دون شروط.. فقط خدمة من إنسان لإنسان.. وهنا يكمن جوهر الفيلم الذي يقول: ماذا لو أزحنا تراكمات الماضي وفكرنا في العلاقة من زاوية إنسانية محضة.. ترى هل سننجح في التفاهم والعيش بسلام؟