
يأتي الالتزام بوصفه مصطلحاً نقدياً يعنى بتوظيف الأدب في خدمة الحياة والمجتمع الإنساني، وسأقف في هذه السطور عند رواية سعودية ملتزمة استطاعت ببراعة شديدة أن تطرح رؤيتها في قالب فني أخاذ. إنها رواية (الشمس تنام في الظهرة) للأستاذ: منصور المهوس المنشورة عام 2003عن (دار العبيكان)، حيث تتناول هذه الرواية القدرة الإنسانية التي يمكنها التأثير وتغيير الآخرين إن هي آمنت بقدرتها واستثمرت ما حولها.
إن هذه الرواية تحاول أن تكشف عن الوجه الإنساني الخيّر الغائب الذي تطمره التراكمات بفعل التعاطي اليومي مع الواقع المعيش، وإمكانية بعثه من جديد حتى عند أشد الناس عتواً وفساداً. يتمثل هذا الأمر في الرواية من خلال الشخصيتين الرئيستين في العمل، وهما شخصيتا "نايف" و"منيف". فنايف وهو مدرس في المدرسة الثانوية يرى أبناء قريته يتساقطون واحداً إثر آخر جراء السموم والمخدرات التي يبيعها منيف. فيقرر خوض المحاولة لاصلاح منيف رغم التحذيرات الكبيرة التي يتلقاها من الناس عن صلف منيف وشراسته، ولكن مع هذا يصر على تحقيق هدفه، فيتمكن بذكائه وقدرته على توظيف أوضاع منيف الخاصة من التأثير عليه واقناعه بتسليم نفسه للشرطة.
إن هذه الشخصية "نايف" تكشف عن الطاقة الهائلة التي أودعها الله الإنسان فيستطيع بفضل توظيفها وتفعيلها إحداث التغيير في واقعه مهما بلغ فساده ودرجة صعوبته وشدته، ومتى توافرت لديه العزيمة والطريقة المناسبة لاحداث التغيير، وهو ما تمكن به نايف من تغيير واقع القرية السيىء إلى رغد وأمان.
أما الوجه الإنساني الغائب في شخصية منيف فهو ان الإنسان مهما بلغ عتوه وجبروته وطغيانه فإنه يبقى محتفظاً بمسحة إنسانية مشاعرية مطمورة، ومتى تم الضرب على وتر المشاعروالعواطف وأمكن استثارتها فإن الإنسان مهما بلغ طغيانه يتغير وينساق بسهولة، وهو ما وقع لمنيف الذي تمكن نايف من تغييره عندما عزف له على عاطفة الأبوة فانقلب منيف 180درجة، "برغم الإشادة بنبل مقصد هذه الفكرة، إلا أن الواقع والتاريخ لا يدعمها دائماً فنوح وإبراهيم ومحمد - عليهم السلام - لم يستطيعوا تغيير ابنهم أو أبيهم أو عمهم إلى جادة الصواب".
وهنا لفتة لطيفة يشير إليها اسم الشخصيتين الرئيسيتين في العمل، "نايف ومنيف". فهذان الاسمان يكشف التشكيل الفني الواعي من خلال اختيار الاسمين ذاتيهما عن ملمحين مهمين، أولهما: اجتماعهما في الأصل اللغوي الذي ترجع إليه مادتهما اللغوية، فهما من مادة واحدة "ن و ف"، مما يعني وجود قضية واحدة تجمعهما تشكل عصب الرواية وموضوعها، فقضيتهما قضية الانحراف السلوكي والأخلاقي والإجرامي لدى بعض أفراد المجتمع، لكن أحدهما منتسب إلى هذا السلوك والآخر رافض لهذا السلوك راغب في تعديله. الأمر الآخر الذي يشير إليه الاسمان يظهر من خلال الصيغة الصرفية التي يكونان عليها، فنايف اسم فاعل، ومنيف اسم مفعول. هذا التباين بين الفاعل والمفعول تجلى على مستوى أحداث النص فأصبح نايف هو البطل الفاعل المحرك لأحداث العمل، وبقي منيف هو المفعول المقصود بالاصلاح والذي يستهدف نايف إصلاحه وتغييره.
ولعل الظاهرة الفنية اللافتة في جميع صفحات الرواية هي تلك اللغة التصويرية البديعة التي انبنت عليها معظم جمل النص، مما يشكل ظاهرة فريدة تميزت بها هذه الرواية. فبغض النظر عن أساليب التصوير الدارجة في اللغة المجازية التي تكثر في النص بشكل لافت، إلا أن النص يعمد إلى أسلوب آخر جديد في التصوير الروائي، حيث يجعل الصورة معادلاً موضوعياً لمسار الأحداث الروائية. فالصورة هنا لا تعد حلية زخرفية ولا ترهلاً أسلوبياً في بنية العمل، بل هي تقوم بوظيفة جمالية ودلالية في آن واحد. وهذا النوع من الصورة يمكن أن يقسم إلى قسمين: صورة بسيطة "لا تتجاوز جملة واحدة"، وصورة مركبة "تشكل قطعة سردية مصغرة تتضمن عدداً من الجمل".
ويلحظ على هذه الصور جميعاً استقاؤها من مفردات الحياة البدوية التي تكون بين القرية والصحراء وهما الوسطان اللذان كانت تدور فيهما أحداث الرواية. ولا شك أن التحليل الفني لاستنطاق القيمة الفنية والوظيفة الدلالية لكل صورة يحتاج إلى دراسة نقدية موسعة لا تحتملها طبيعة هذه السطور. لكن هذا لا يمنع من الإشارة إلى إحدى هذه الصور لمعرفة وظيفتها الدلالية في سياق النص الروائي. فعندما يذهب نايف وصديقه إلى منيف في الصحراء تنغرز إطارات سيارتهما الجيب في الرمال، ويحاولان إخراج السيارة من هذا المكان، فيقول صديق نايف بأن عليهما أن يعودا من حيث أتيا فالبداية غير مشجعة، ولكن نايف يصر على المضي في طريقه: فيحاولان مرة أخرى حتى استطاعا اخراج سيارتهما والذهاب إلى منيف. إن هذه الصورة ذات وظيفة استباقية، وذلك لكونها تكشف عن الصعوبات التي سيلاقيها نايف في طريق إصلاح منيف، فالأمر ليس سهلاً ميسراً، بل سيتعرض إلى الكثير من المصاعب والعراقيل التي تعرقل مسيره نحو هدفه "وهو ما وقع في الرواية بالفعل"، فجاء تعثر السيارة وتعرضها لمصاعب الطريق رامزاً إلى ذلك المعنى. وبهذا تكون الصورة ذات وظيفة استباقية تخلخل البناء الزمني الروائي فتقفز بالقارئ الحاذق نحو أحداث من المستقبل يتوقع حدوثها عند ربطه الصورة بسياقها النصي.
لقد عبّر المهوس عن قضية الرواية من خلال توظيف آليات القص المبدع، فهو يستخدم لغة تمزج بين المفردة الشعرية والتركيب المباشر، ولعل البراعة اللغوية عند المهوس تظهر من خلال التعددية اللغوية التي يتميز بها سرده، حيث تظهر اللغة السردية الشاعرية مع المونولوجات الداخلية التي تعبر بها الشخصيات عن ذاتها بكل عفوية وتلقائية. وهو متأثر في البناء الروائي إلى حد كبير بالشكل الأصيل في بناء حبكة الرواية وأحداثها، لذا تظهر لديه الأحداث منسوجة بإحكام، ممسكة بتلابيب المشهد القصصي منذ انطلاقته وحتى نهايته.
ما أود أن أختم به هنا هو التأكيد على الخطأ الذي تقع فيه بعض الروايات الملتزمة في اشتراطها تصوير الواقع بصورة إيجابية دائماً وأبداً، فالنهايات ليست سعيدة دائماً، والواقع يحوي الخير والشر، والأبيض والأسود، والصالح والطالح، وهو ما حاول المهوس التنبه له لاحقاً، حيث تخلصت قصصه الجديدة من ذلك وقدم خلالها رؤية مغايرة. إن الالتزام ليس تزويراً للواقع، أو اجتزاء وجه نقي "مفلتر" من وجوهه لعرضه والتعريف به. بل إن من الالتزام أن لا يتم تخدير المتلقي، وتسويق "الخيرية" على انها حتم لازم تنتهي إليها الأمور دائماً، فالقصص التي تدور في مجالسنا، والحوادث التي نراها ونطالعها في الحياة ووسائل الإعلام، تعكس إلى حدّ كبير كيف أن الأمور يمكن أن تسير كما نحب أحياناً، وكما نكره أحياناً أخرى.