مهلاً د. هشام
شتان بين الجان واللجان!
د. محمد بن عبدالعزيز بن علي العميريني
قرأت يوم الأحد 1419/2/17ه ما كتبه الدكتور هشام بن عبدالملك آل الشيخ في صفحة الرأي بعنوان "الجان واللجان في التجمعات الأكاديمية" وفي الحقيقة أنني قرأت المقال مرات عدة لعلي أحظى برابط بين الجان واللجان ولو بشيء من التعسف، فلم أظفر بما يشفع لجعله مدخلاً للموضوع، كما أنني حاولت جاهداً أن أعثر على معان أخرى لعنوانه ربما تخدم الفكرة التي أرادها صاحبها فلم يسعفني حظ ولا وقت، لأن البون شاسع بين الأمر الغيبي (الجان)، والواقع الملموس (اللجان) فارتأيت أن أقف مع المقال وقفات عدة، لأنه حوى أحكاماً يظن أنها لا تقبل صرفاً ولا عذلاً مع أن الواقع بخلافها، ومن ذلك:
@ حاول الكاتب الربط بين اللجان السياسية واللجان الأكاديمية للوصول إلى نتيجة تفتقد المقدمات الضرورية لتصور الأحكام وهي أن غاية اللجان أياً كان نوعها تؤول إلى الفشل، لأن سياستها تعتمد التمريض طريقة مباشرة للرد أو الرفض، والمشاهد أن اللجان الأكاديمية لا يترك لها الحكم، بل أنها لا تعطى الفرصة لفرض هيمنتها دون مسوغ أو مبرر يقتنع به صاحب القرار، كما أنها تمر بمراحل متعددة، ومنعطفات مختلفة لتتضح قراراتها وتظهر على سطح الواقع.
@ توصل الكاتب إلى نتيجة مضطربة قوامها أن كثرة اللجان دليل على الفشل الإداري، ورأى أنه أمر مسلم به، وعاب على إحدى الجامعات أنها شكلت أربعين لجنة بقرار واحد، ولم يفطن أن من الجامعات العريقة من تشكل عدة لجان في اليوم الواحدة لعمل مقرر سلفاً ينتهي أمده بمدة محددة، وربما استمر لفترات أطول، وقد حازت تصنيفاً متقدماً بين الجامعات العالمية، ومن ثم فإن تشكيل أربعين لجنة بقرار واحد لجامعة ما يعد أمراً طبيعياً تفرضه الأعراف الأكاديمية، وتقتضيه الحاجة والمصلحة التي يقدرها صاحب القرار، وتخضع لحجم المؤسسة العلمية وتشعب أقسامها وإداراتها.
أضف إلى ذلك أن الجامعات مؤسسات علمية بحتة، يتطلب أمر تطورها ورقيها المتابعة المنظمة والدقيقة لكل مستجدات العصر، لتأخذ منها ما يناسب منهجها وخططها التنموية، ناهيك عن متطلبات أعضائها وكل من ينتسب إليها، وهذا وذاك يفرض تكوين فرق عمل متمكنة لتأخذ بحظها الأوفر، بعيداً عن الاستجداء والتمحل، ولا عجب بعد هذا أن تتعدد اللجان وتتشعب أعمالها، وتتنوع اختصاصاتها حسبما يقتضيه سير العمل، كما أن هذه اللجان قل تعدادها عن الأربعين أو فاق تم تشكيلها بقرار صائب حكيم، لا يعرف الارتجال أو التسرع، بل نطق بعد دراسة واعية لكل الجوانب المحتملة والمرجوة، وكان هدفه خدمة الوطن، ورفع شأن العلم وأهله، وحضر الجهود لجعلها أكثر واقعية واتزاناً، وأقرب للصواب عند اتخاذ القرار، وفي الغالب لا يكون القرار نافذاً حتى يعرض على المشرع، كما أن هذه اللجان ليست بمعزل عن الأنظمة واللوائح، ولا تخضع للأهواء والأهداف الشخصية، لثكرة أعضائها وتنوع مشاربهم واتجاهاتهم، مما يجعل اتفاق الهوى بينهم أمراً مستبعداً.
@ لا أحد ينكر فضل مثل تلك اللجان، وأنها عامل رئيس في صواب القرار والبعد عن الخطأ فيه، لعدم القصد، ولأن الرأي فيها ليس فردياً (أو مركزياً) يحتكره شخص جُعل الحكم والاحتكام إليه، وأظنك أخي تتفق معي في أن الحكم الصادر عن خمسة مثلاً أكثر دقة مما لو صدر عن واحد إلا أن يكن معصوماً.
@ يرى الكاتب أن مثل هذه اللجان ذريعة لتعطيل الأعمال النظامية، وأن صاحب القرار ربما يحقق مركزيته عن طريقها.
وهذا غير سديد لأمور:
@ إن هذه اللجان التي عقد المقال لأجلها لم تبدأ أعمالها بعد، ولم تظهر نتائجها، فالحكم مقدم على الفعل وهو أمر لا يصح، وأظن أن أهدافها قد رسمت بدقة، وحددت أعمالها المنوط بها بكل مصداقية، وبمتابعة مباشرة من صاحب القرار، لأنه يهدف إلى تنظيم أكثر، وانجاز أسرع، بكوادر جمعت بين الثقافة والإدارة.
@ إن من هدف صاحب القرار وضع الثقة في العاملين، لأنه يدرك أن ذلك أول طريق للنجاح، والحرص على الانجاز والتابعة هو بغية تلك اللجان، وادعاء سوء النية أو القصد في اي شخص من شخوصها، أو أنه يحاول تعطيل العمل حكم لا يسنده ثبت، لأن غالبية الأعضاء هم من الأساتذة الفضلاء الذين يمثلون الواجهة الحقيقية لجامعة عريقة.
@ لا ضير أن تكون تلك اللجان مبرات خيرية إن صح الحكم، طالما أن أعضاءها يقومون بالأعمال المنوطة بهم على أكمل وجه، يراقبون الله تعالى فيها، بضمائر حية تجعل نصب عينيها خدمة الوطن والحفاظ على ممتلكاته غاية ومطلباً.
إن الحل أخي يكمن في طرح ثقتك وثقة الجميع بقيادة تلك الإدارة، وبأن ما تصدره من قرارات أكاديمية إنما تهدف للوصول إلى الكمال أو مقاربته، وأن هذه اللجان حقيقة ماثلة لها أعمالها المقررة، وعليها رقيب يحسب الأنفاس، وليست صورية تزيف الواقع، أو تجعل من الخيال حقيقة.
دعنا نجرب وكلنا أمل في أن تحقق تلك اللجان هدفها المنشود، ودوري ودورك بعد هذا شد الأزر، وإسداء النصح والتوجيه، بعيداً عن تثبيط العزائم، أو قتل الهمم.. والله المستعان.