كان يمشي وئيداً، مثقلاً بأحمال الغربة، يتسكع في شوارع الدنيا الموصدة بوحشية الليل، مسنداً رأسه المتعب إلى الهواء الملوث العابق بالروائح المنهكة بوجوه السابلة، وأصوات الباعة والرطوبة.
كان في حياة الطفولة يحلم بأن يسير في مثل هذه الشوارع التي ندتها تلك الأحلام في خواطره. رسمتها ألوان زاهية خلقها خيال الأطفال الطري الغض.. توكأ على هاجسه القديم، يتفرس بعينيه الأشياء في الشارع العتيق الصاخب بالحياة، والأضواء، والأصداء المرتبكة.. تلبسه إحساس بالخوف.. شعر انه يوغل في أدغال مسكونة بالوحوش.. الشارع في داخله موحش، تتخطفه فيه نظرات قناصة الليل، وزبائن الحانات، ولصوص العقار، وقناصل الرذيلة!!
أحس في نفسه خيفة.. صار يلتمس طريقه على حدس، شعر بقرف وضيق، بصق في وجه العفونة، ومشى يتألم! تعثرت قدمه بيد إنسان ساقط على الرصيف قد لوى البرد والشرب شدقه، فتوسد يدا ومد أخرى لأقدام العابرين، فربما انه قد يئس من أيديهم!! كان مرمياً بلا رحمة، غطى جسده المنهك وأظهر وجهه المعروق، المعروك بالسهر، والفقر، والجوع، والتشرد.. وتدلى لسانه بين فكيه كلسان الخروف الذبيح..
لأول مرة يتقزز من منظر الإنسان!! حاول أن يقاوم سطوة البشاعة، فيهرب الى الرصيف المقابل دون توقف.. لكن كف ذلك الطريح الراعشة أمسكت بقدمه، واشرع عينيه المتورمتين في وجهه، وحرك لسانه المثقل مستغيثاً.. فكيف له أن يهرب من الإنسان في داخله؟ تحرك الدم للدم.. وقد أجهشت السماء بالمطر، ودموع ذلك الطريح تتساقط على الرصيف تعانق الماء الملوث بأحذية العابرين.. تعثر في هذا الوحل من الوجع الإنساني..
الشارع لا يزال يموج بأوجه الناس، والأضواء، والروائح المختلطة ببوابات المداخل الزجاجية.. هذه حانة تزدحم بالسكارى والمقامرين!! وهذه واجهة مكتبة مزينة بالكتب والمجلات.. -أفكار عظيمة وأخرى سقيمة-.. لكن لا جدوى لا حل لمأساة الإنسان "الصريع".
مطعم تتوهج الأرغفة الحارة على موائده المزدانة بالمناديل الحمراء.. وهذا الجسد الإنساني على قارعة الطريق أرجوحة في فكره وضميره، يتدلى ما بين لافتات الشارع ولفتات القلب! فياللمأساة.. حاول أن يعبر المساحة الضيقة من تفكيره، وان يمد يده إلى جيب معطفه، فيخلع بذلك ناب الألم الذي اخذ يعض ضميره بشكل موجع.. قال في سره: وقوفي بهذا الشكل مضحك، أو مخجل في أعين الناس "الراقين"! فمتى كان الإنسان مجالاً للفرجة في شارع متحضر كهذا؟
أخرج يده من معطفه فارغة بعد أن أمسكت بقطع النقود!! فماذا يجدي؟ لن تزيده النقود إلا بؤساً بحجم ماء النار الذي سيتجرعه ويدفع هذه القطع ثمناً له..
وقف حائراً ثم قال: سأمشي قليلاً وأفكر.. كان حذاؤه ضيقاً ويأكل عقبه بشدة قال في نفسه: ان الإنسان أحياناً يخطئ في تقديرات كثيرة.. حتى في ما يمكن أن يقاس.. شغلته فكرة التقديرات هذه.. واستحوذت عليه. الإنسان يخطئ في تقدير ما هو ملموس ومحسوس ومقاس.. فكيف اذا ما تعلق الأمر بما لا يحس ولا يلمس ولا يقاس؟
التقديرات تخطئ.. والقدر ينفذ. القدر ينفذ.. لكن ما علاقة ذلك بتلك الجثة الغارقة في البرد والجوع والتشرد؟ من يتحمل وزر ذلك.. أهو الإنسان "الفرد" أم هم الناس "المجتمع"؟ الإنسان ضعيف والناس لا ترحم.. الناس هم هذه المدينة، وهذه المدينة لا قلب لها! لها بطن ضخم وعقل ذكي يخطط للافتراس! أسنان هذه المدينة حادة تسطو على كل شيء كالمناشير الصلبة حين ترتع في الخشب الهش.. هذه المدينة لها عيون كثيرة ومتعددة.. ولكنها كعيون قطط سريالية متوحشة، لا تبصر إلا عند الهجوم والافتراس! إنها قوة عمياء غشوم كما قطاراتها تجر الأشياء وتدهسها في صخب وعنف، غير أنها -ياللعجب- تظل مدينة متحضرة!
قال لنفسه: انس ذلك الإنسان "الصريع" وانس أوجاعه.. انس "عقدة الإنسان في ذاتك" ستجد أنها متحضرة بكل المقاييس.. انظر كيف يبتسم لك الناس: عامل الفندق، نادل المطعم، بائع الأحذية، انظر إلى الزجاج المصقول والبنايات الشامخة، انظر هنا أمام عينيك في هذا الدكان إلى مئات الأجهزة المعقدة.. كل هذا التعقيد أعد من أجل تبسيط الحياة..! ها هو ذا التليفون في يدك كعصفور وديع تستطيع به أن تخاطب العالم أجمع، وهذه الشاشة الصغيرة -في لحظات- تريك ما حدث في كونك كله، في ساعتك هذه، انه لشيء مذهل هذه البطاقة في جيبك المسماة Access أو Visa مثلاً، والتي هي مفتاحك الى العالم.. "تسافر"، تشتري، تأكل، تسهر، تفعل ما تشاء!
ما أروعها من حضارة..
لكن شبح الإنسان الطريح يطاردني!! لماذا يطاردني أهو صريع الحضارة؟! ما علاقة إنسان مهووس مدمن ملقى على الأرض بحياة خرافية راقية مترفة ومنظمة؟ منظمة.. نعم -ما أروع التنظيم- ساعتك التي في معصمك: دقيقة التوقيت لا تكذب.. اشارة المرور تعمل بانتظام، والناس تنتظم وتحترم ذلك.. الحافلة تأتي في موعدها ولا تقف إلا في مكانها.. آلة المحاسبة لا تكذب، تعطيك إيصالاً مكتوباً بكل مشترياتك.. كل شيء منظم حتى الناس وهي تسير في الشوارع وفي الحدائق تسير بانتظام.. وتجلس بانتظام.. وتأكل بشكل منظم.. هذه الجريدة التي في يدك هي الأخرى مرتبة.. والترتيب تنظيم، أحرفها منظمة، أعمدتها منظمة، صفحاتها مبوبة، أفكارها منظمة ومرئية أيضاً.. انهم يعون ما يكتبون، ولا يكتبون إلا ما يعون.. انه النظام الدقيق وفي كل شيء، بل هي الحياة المتحضرة المنظمة لا شيء ها هنا فوضى ابداً..
لكن لماذا هذا الإنسان ساقط.. أليس هذا خللاً..؟ أليس هناك نظام يحميه من السقوط..؟ هل النظام هناك هو نظام آلي بحيث أن المرء ينفذه بتلقائية الآلة لا بتلقائية الإنسان..؟ طبعاً هذا غير معقول فكل ما هنا هو من عمل الإنسان.. لا عمل ذاته..؟ إذاً هل الإنسان يخلق النظام لكنه لا ينتظم، فيحاصر نفسه بذلك ويصبح أسيره وضحيته..؟ هل هي قيود تحد من حريته ورحمانيته، وتجبره على الانحراف والسير في قوالب النظام..؟ حتى الرحمة والعطف تحتاج الى تنظيم.
1
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
دائما مبدع يا أستاذنا القدير.و قصة في غاية الروعة{فعلا الإنسان يخلق النظام ولكنه لا ينتظم} و ما شابه هذه الأحداث التي يصنعها الإنسان بنفسه لكن لا ينفذها و لا يطبقها في حياته.شكرا لك يا أستاذنا على هذه القصة الرائعة المكتوبة بأسلوب أروع
مع خالص تحياتي
05:14 صباحاً 2008/02/29
2
مقال رائع حفظك الله ابو عبد اللعزيز
05:31 صباحاً 2008/02/29
3
صباح الخير...
تحيه طيبه للكاتب و للجميع.
اعتقد أن الإنسان في الدول المتقدمه يشبه المكنه
لا و قت له لتوقف عند كل ما يصادفه في طريقه كل له
مجاله و أختصاصه كل شي له ضريبه و هذه ضريبه التقدم.
06:17 صباحاً 2008/02/29
4
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أولا : أشكرك يا أخي الفاضل على هذا المقال الجميل. ثانيا: من وجهة نظري أن الانسان بيده أن يرى الحياة جميلة مشرقة اذا كان عنصر التفائل موجود.وعلى العكس من ذلك قد يراها سيئة مظلمة ولا يرى هذه النظرة الا المتشائمين دون غيرهم. قال صلى الله عليه وسلم"تفائلوا بالخير تجدوه"
06:28 صباحاً 2008/02/29
5
تصوير حي واقعي للسراب الذي نجري خلفه والذي يلهث اللبراليون لتصديره إلى بلادنا فهل يعي هذا الأمر المخدوعون ( ومن لم يجعل له نور فماله من نور) ثم أيم منظماتهم التي تمارس ضغوطها علينا !!!لماذا لايصلحون حالهم ويدعوننا وشأننا!!1
09:30 صباحاً 2008/02/29
6
المقال جميل وشكراَ لك
10:18 صباحاً 2008/02/29
7
السلام عليكم
د. ناصر
حبيت أقولك و أوصلك سلامي وسلام الطلاب في بريطانيا
ونقولك واله فقدناك.
ونقول وين ذيك الايام الله يرجعها على خير.
ريان - بريطانيا
10:40 صباحاً 2008/02/29
8
من اجمل المقالات التي قرأتها طرح جميل واشكرك
10:49 صباحاً 2008/02/29
9
أستاذ/ عبدالله الناصر جمعة مباركة،
تصفى النفوس إذا صفتها *
وتضحك لك الدنيا إذا رضت *
مقال رائع جميل في قصة، وإن كنت أشعر ولدي إحساس أن هناك
نوع من من الواقعية فيها، هناك أمور يحاول الشخص أن يرقى إليها
لتكون المثالية هي الهدف، ولكن تأبى الحياة إلا أن تكون معاندة،
وكم أكره بطاقات( Access أو Visa)، التي تجعلك تصرف بدون تنظيم.
هناك أمور يمكنك تنظيمها، وهناك أمور لايمكنك تنظيمها، خاص
الأمور المالية اليومية، لأن الظروف الطارئة، قد تخلل
ماهو غير متوقع،
وإكتشاف رصيد الحساب(صفر)
هذه هي الصدمة.
10:52 صباحاً 2008/02/29
10
السلام علسكم ابا عبد العزيز
لا فظ فوك على هذا الطرح الممتع
صدقت والله...فالناس لا زالت بخيرا ان شاء الله.. ولا سبيل للتشائم بين الانسان المومن بالقدر
شكرا وجمعة مباركة ان شاء الله
العريفي الخالدي
01:09 مساءً 2008/02/29
11
د ناصر حفظه الله
النظام في كل شئ مطلوب ولكن تطبيقه يحتاج صرامة رأس النظام
جميل جدا التنظيم والاجمل منه تطبيقه
ولكن هل تعتقد ان عالمنا الثالث يؤمن به كما هو بالدول المتقدمة التي مفككه اسريا
وغير مطبقة لنظام التلاحم الاسري
نظامنا الالهي لونتبعه لضرب بنا المثل
مع الشكر
03:26 مساءً 2008/02/29
12
ماهو المجتمع ؟.مما يتكون المجتمع ؟كيف يرقى المجتمع؟إذا وجد خلل ما المسؤول ؟ كلها أسئلة لو وجدت إجابات صادقة لعرفنا الخلل ومن يعرف يصنف مجتمعه وبعدها يحكم هو كيف هو ؟هل هو في مجتمع فاشل ؟أو ناجح ؟متخلف؟ أو متحضر؟ فأنا برائي أن المجتمع هو من أفراده كل فرد في المجتمع يعرف دوره ومسؤولياته.وما الحاكم إلا هو المسؤول الذي يشير ويستشير ويعطي ولكنه لا يصنع مجتمع ؟لأن فالرد لايصنع أفراد إنما أفراد يصنعوا مجتمع وقيم ديننا هى لأرقى مجتمع لو أتبعت وقررنا أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا
05:12 مساءً 2008/02/29
13
قصة رائعة جدا,,
فالوعي وبناءه هو ما يميز الانساني عن غيره,
والانسانية ترتقي بارتقاء الوعي وبه تستقيم وتنتظم في الاحوال المختلفه. وادوات ووسائل الارتقاء بالوعي واقعية كالوعي نفسه ومتكاملة ومترابطة مع القيم والاهداف ومع الاحلام والتصورات ومع الثواب والعقاب, والاخلال بشيء منها يخل توازن الانسان, والغاء بعضها عمدا او عفوا يسقط الانسان في اسفل سافلين والغاءها جهلا تخلف في الانسانية.
الارتقاء بالوعي الانساني مسؤلية, منظمة, يقاس بالايمان وليس بالمال ولا بالعمران.
05:30 مساءً 2008/02/29
14
مقال رائع لكن.
06:39 مساءً 2008/02/29
15
كنت اشاهد القصه لا اقرأها
09:12 مساءً 2008/02/29
16
مقال في غاية ونحن بانتظار الجزء الثاني
11:36 مساءً 2008/02/29
سجل معنا بالضغط هنا