• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 495 أيام

حول العالم

تعلم قول (لا)

فهد عامر الأحمدي

    أول وظيفة في حياتي كانت في مدرسة ثانوية جديدة تحت التأسيس.. كانت مجرد أربعة فصول تستقر في أعلى متوسطة ضخمة.. وكنا خمسة معلمين ومديراً وفراشاً نتقاسم جميعنا غرفة واحدة.. ولأنني أصغرهم سنا - ولأننا كنا في مرحلة تأسيس ونتعامل كعائلة واحدة - كنت أقوم طواعية بمعظم الأعمال الكتابية المرهقة.. فقد كنت أنا من يتولى شؤون الغياب ومسيرات الرواتب وأوراق الطلاب وخطابات التعيين - بل وحتى ماكينة التصوير.. ولأنني كنت (طيباً) ولا أقول (لا) تراكمت علي الأعمال بالتدريج لدرجة كنت أساعد بعض المعلمين - بطيب خاطر - في تحضير دروسهم الخاصة.. لم أكن حينها جبانا أو غبيا بل كنت أؤمن بمبدأ المساعدة والتعاون وحقيقة أننا نتشارك نفس الغرفة (ونأكل نفس الفول والتميز فوق السطوح)..

غير أن الموقف تغير فجأة بعد أن أرسلت لنا ادارة التعليم وكيلا جديدا لا يعرفني (ولم يشاركني طبق الفول) وعاملني كمساعد شخصي. وذات يوم - وفيما كنت أستعد لتناول الفطور مع بقية المعلمين - رمى على مكتبي مسيرات الرواتب (وكانت حينها تكتب يدويا) وطلب مني اعادة كتابتها من جديد.. فما كان مني إلا أن حملتها في الاتجاة المعاكس ورميتها فوق مكتبه قائلا: افعلها بنفسك..

ورغم أنني قلت هذه الجملة بكل ثقة وهدوء إلا أن شيئا في داخلي كان يقول لي "لقد تصرفت بطريقة خاطئة".. وحين صعدت لتناول الفطور لم أستطع كتم الخبر فأخبرت "المدير" بما حصل.. وبدل أن يلومني أو يعاتبني ضحك وقال: "من زمان وأنا أقول متى ينفجر فهد".. وحينها فقط أدركت كم ظلمت نفسي بعجزي عن قول (لا) منذ فترة طويلة.. ومن يومها توقفت عن تقديم المساعدة لمن لا يستحقها واستعمال أقوى كلمة في جميع اللغات (لا / نو / نن / نخت / هييت / فينيتو / تدا / نيفر)..

والعجيب أن تعلمي لكيفية استعمال هذه الكلمة أكسبني احتراما حقيقيا أكثر من الماضي؛ فمعظمنا يعتقد أن اللطف - والمبادرة بتقديم المساعدة - كفيل بكسب ود واحترام الآخرين.. ولكن الحقيقة قد تكون عكس ذلك كون "الطيبة الدائمة" تنتهي بالاستغلال والتطاول "والمساعدة الصادقة" بالاتكالية ورمي الأعباء (في حين قد يتحول لين الجانب الى سلة غسيل يرمي فيها البعض ثيابه القذرة).. وفي المقابل حين تقول لا - بطريقة مؤدبة وابتسامة خفيفة - تثبت استقلاليتك وحرية اختيارك وهو ما يكسبك احترام الآخرين فعلا...

... وبطبيعة الحال أتوقع منك تمييز الفرق بين المساعدة - كمبادرة ذاتية وعمل نبيل - وبين استمرائها واستغلالها من قبل الآخرين..

فالمساعدة بطبيعتهما حالة مؤقتة تصرف فقط للمحتاجين لها، ولكنها تتحول الى استغلال (واستهوان) إذا اتخذت طابع الديمومة والطلب الرسمي.. ولأنها عمل إضافي (لا تنال مقابله أجرا) يجب أن تتخذ قرارك بسرعة بناء على ظروف الشخص المقابل ومستوى علاقتك به وخلفية تعامله معك.. وفي حال لمست منه نفحة استغلال أو اتكالية فما عليك سوى أن تقول له بكل وضوح (لا؛ آسف، لا أستطيع مساعدتك).. وحين تفعل هذا لا تخشى خسارته - بل على العكس توقع منه احترامك كصديق تعاني بدورك من ضيق الوقت وتراكم الأعمال!

.. ولكل من يجهل استعمال هذه الكلمة المفيدة أذكره بأننا (نحن) من يعلّم الآخرين طريقة معاملتنا وكيفية احترامهم لنا.. واليوم مثل كل يوم فرصة جديدة كي تقول (لا) دون أن تخشى خسارة أحد!



عدد التعليقات : 192
الصفحات : 1   2   3   4   5   6   7   8   ...   >>   عرض الكل
  • 1

    صباح الخير
    مبدع كعادتك يابو حسام

    حمودي (زائر)

    04:18 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 2

    ومن يومها توقفت عن تقديم المساعدة لمن لا يستحقها واستعمال أقوى كلمة في جميع اللغات (لا / نو / نن / نخت / هييت / فينيتو / تدا / نيفر)..
    دائما متألق الله يوقفك ومشالله عليك
    قال الرسول عليه افضل الصلاة والتسليم
    (( أقربكم مني منزلة يوم القيامة أكثركم علي صلاة ))
    اللهم صلي عليه وسلم

    احمد الرميح (زائر)

    04:21 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 3

    معك حق في كل كلمة.
    واكثرنا يضغط على نفسه بأشياء مهوب ملزم فيها..ولو اعتذر عنها بلطف
    ماراح تنقص من قدره إطلاقا..
    مهو بس باب المساعدة في العمل..
    حتى بالحياة الإجتماعية والإرتباطات..
    لكن فيه ناس مستحيل الواحد يقولهم لا..لأنهم يستاهلون
    أما اللي وجهه مغسول بمرق
    نقول له لا..وفوقها طراق بعد !

    ابو عبدالاله (زائر)

    04:22 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 4

    اسعد الله صباحاتكم..
    في كلا الحالتين اعتقد العملية صعبة..فعند قول نعم دائما.. تصبح مستغلا - بضم الميم - لأبعد درجة.. وتاتيك الاعمال من حيث لاتدري.. حتى تنفجر..
    وعند قول لأ.. حتى مع الابتسامة الخفيفة او الثقيلة.. تجد قليلا من يتفهم ان هذا من عمله.. وذاك من عملك..
    تحياتي...

    اسامه.. معارف (زائر)

    04:26 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 5

    صدقت !!!
    لاحظت هذا الشي عندنا في العمل
    أحدهم طيب أكثر من اللازم لدرجة انهم يستفيدون منه ويسمونه( الهطف)!

    ناصر العتيبي_الظهران (زائر)

    04:30 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 6

    موضوع شيق استاذ فهد
    كثير ما كنت استغل بسبب واحد اني لا اعرف اقول لا
    في نفس الوقت لا احب ان ارى في عيون الاخرين الحاجه لي واستطيع مساعدتهم
    بعد اليوم ربما اعيد التفكير واحاول التخلص من عقدة الضمير في قول لا

    عبد لله (زائر)

    04:39 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 7

    مقالك روعه...
    ولكن صدقني قد نخسر كثيرا لو قلنا لا وذات مرة حاااولت أن أقولها
    فكنت قد اكتشفت سريعا ً انني سوف أخسر اكثر من ان استفيد فتراجعت
    بالاعتذار واضافت ما يزين كلمة لا...لا بس كذا غالي والطلب هين
    دنيااا العجااايب

    بنت الاجاويد (زائر)

    04:44 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 8

    المجاملة احياناً تؤدي الى الهاوية..
    وبالنسبة الى العمل فكلمة ( لا ) تنفع وخصوصاً المدراء مايعطون وجه اكثر من اللازم وهناك مثال على شخص مواظب ويقوم بعمله وعمل زملائه أحياناً ولا يعرف المواجهه وغيره يتغيب !!!عندما طلب إجازة رفض المدير بحجة من يقوم بالعمل ؟
    وفلان وفلان ماعليهم اتكال وانت الوحيد القادر على حل المشاكل ؟؟
    يالله خل ( نعم ) وطيب القلب ينفع !!

    خالد (زائر)

    05:01 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 9

    والله كلامك صحيح يادكتور
    أنا من الأشخاص الذين عانو من الطيبة مما حملني كما حدث لك أعباء أضافية كان من الإمكان التخلص منها لو قلت حينها لا
    الطيبة في هذا الزمن لاتنفع
    ولذلك أتمنى من الجميع أن يقول لا لكل عمل لايراه مناسبا ويخصه
    وأقرب شيء لقول لا هو لا للهيئة وتدخلها في أمور الناس
    لا لإرتفاع الأسعار وإجبار الناس عليها
    لا للضلم في المحاكم وإنتظار مزاج القاضي
    لا لتحمل إهمال المعاملات في الدوائر الحكومية
    لا للسكوت عن قول كلمة الحق في وجة أين كان
    لابد أن نكون شجعانا حتى نقول لا وكفى وحدك وبس

    حقاني (زائر)

    05:04 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 10

    لا لا لا
    شاكر لك يا اعظم كاتب

    وليد (زائر)

    05:06 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 11

    صباح الخير والله جبتها علي الجرح يا استاذ فهد
    بحكم عمل معلمه في بدايه العام الدراسي كنت اساعد في انجاز مهام العمل علي جهاز الحاسب في المدرسه لحين وصل معلمه المتخصصه بالحاسب وكان مبدأ في ذلك انه اذا كنت استطيع عمل شئ فلماذ ارفض من باب المساعده وتعاون ولكن ناس ما تقدر
    ما اقول الا حسبي الله ونعم الوكيل

    معلمه مقهوره (زائر)

    05:07 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 12

    شكرا.
    المجامله بدايت الأهانه حكمتى الشخصيه

    عبد المجيد العتيبي (زائر)

    05:09 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 13

    كلام من ذهب من ألماس انت رائع انت فوق الخيال انت مبهر انت بارع انت شي عجيب استاذي فهد..
    حصل لي نفس الموقف مع مديره القسم وقلت لا فكان الاحترام اكبر واكثر.. ولكن من ناحيتي لم اعد احب اتعامل معها لان الشخص اللي ما يحترمك من البدايه مو كفو تتعامل معه.

    ام نهار (زائر)

    05:24 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 14

    والله انك جبتها ع الجرح وانا مثلك تماما كنت اخشى اخسر اخوياي بس اوعدك من اليوم ورايح اقول لا. اليومين هذي الطيب يقولون عنه غبي!! تسلم ابو حسام

    عزوووز الرياض (زائر)

    05:27 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 15

    شكلك بتنشر التمرد كذا
    بطبيعت الانسان اذا حس ان مساعداته للاخرين مو محل تقدير وحترام تلقائي
    بيكره الاستمرار فيها وبتطلع كلمة لا لو تاخرة
    وانا شايفه فعلن ان الطاعه الدائمه تجعل المساعده الي يقدمها الشخص وكانها
    فرض الغريب انه يرفض القيام به مو القبول هذا طبعن من الناس الي فيهم غلاسه
    زي وكيلك ذا

    ام راكان (زائر)

    05:28 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 16

    ""الطيبة الدائمة" تنتهي بالاستغلال "
    كلامك سليم 100%. سلمت يداك.

    بنت نجد (زائر)

    05:35 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 17

    بجربها اليوم مع الريّس..

    منير (زائر)

    05:44 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 18

    مقال من ذهب ومن أجمل ماكتبت أخوي فهد
    وللأسف عندنا من يقدم المساعده يعتبر "حبيّب" بمعنى أنه خفيف عقل وكأنهم يريدون الجميع قاسي في تعامله ولايهمه الا نفسه !

    د.محمد (زائر)

    05:45 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 19

    رائع..
    كون "الطيبة الدائمة" تنتهي بالاستغلال والتطاول "والمساعدة الصادقة" بالاتكالية ورمي الأعباء (في حين قد يتحول لين الجانب الى سلة غسيل يرمي فيها البعض ثيابه القذرة)..

    نايف بن سعود (زائر)

    05:57 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 20

    موضوع في قمه الروعه

    عزيز (زائر)

    05:59 صباحاً 2008/02/26

    ابلغ عن هذه المشاركة

الصفحات : 1   2   3   4   5   6   7   8   ...   >>   عرض الكل



التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

إعلانات





حول العالم

فهد عامر الأحمدي