الأثنين 18 صفر 1429هـ -25 فبراير 2008م - العدد 14490

كلمة الرياض

الأمن القومي في رحلةالمجهول!!

يوسف الكويليت

    عندما ترى الخريطة العربية وتستعيد مسألة التحرر والسيادة القومية والوطنية، تصاب بالإحباط والذهول وأنت تشاهد صراع حزب العمال الكردستاني مع تركيا في حروب طويلة في شمال العراق، وتجد بؤراً نائمة لمجاهدي خلق في حرب إيران، وكيف صار حزب الله في مواجهة تامة مع إسرائيل، وهو المدعوم، كما يقول بعض اللبنانيين من دول عربية وإقليمية تجعله خارج مسار الدولة الوطنية..

وتعجب أكثر كيف أن أثيوبيا تحتل أجزاء رئيسية من الصومال عندما دخلت قواتها لإنقاذ الدولة من مليشيات المحاكم الإسلامية، حتى لا يجاورها تطرف إسلامي ربما يكون سبباً في تعريض أمنها للخطر، وتستغرب كيف أن خلاف الصحراء بين المغرب والجزائر، لم يوحد الشمال الأفريقي من أجل تحرير سبتة ومليلية من الهيمنة الأسبانية، وهناك دول إقليمية أصبحت تثير قضايا داخلية في اليمن والمغرب والجزائر، ولبنان وغيرها وأكثرها تعرضاً للخطر أن يتم تقسيم العراق ليتحول إلى نموذج مقابل لأفغانستان..

السؤال: هل أمننا القومي في ظل مرحلة التفتيت، صار عبثياً يلعب به كل متسول على المنطقة سياسياً أو عسكرياً؟ وهل لا تزال الساعة تتحرك دقائقها في توقيت مفاجآت صعبة تحسب على خطورة تماسك الداخل العربي بكليته والذي صار مستباحاً؟

الخطر لم يعد صناعة أمريكية - إسرائيلية فقط، ولا بمن يتنبأ بصراعات إقليمية مع تركيا، وإيران، وربما حتى الهند صاحبة أكبر أقليات في الخليج، إذا ما انسحب الخطر ليجرّ معه قوى أخرى تجد الذرائع في حماية أقلياتها، وإنما الصناعة تمت بأيد عربية تذكرنا بحروب الطوائف في الأندلس وكأن الزمن لا تتغير أحداثه عندما تستعاد بنفس الحالات والتواقيت..

ردم الهوة مع العدو الإسرائيلي، صار أسهل من تحقيق مصالحات عربية، لأن الطرفين في الحالة الإسرائيلية، يعرفان مقاييس القوة والضعف وأحكام ما يريدان التوصل إليه، لكن الوضع العربي زئبقي يشبه تحرك الرمال، أي أن ما يُتفق عليه علناً وبتواقيع وشهود، تخالفه الحقائق التي تنقض تلك المواثيق، والأزمة هنا شخصية تلعب فيها أدوارَ التناقضات مجموعةٌ عوامل انتهت إلى أزمة في الثقة بين معظم الأنظمة، ومن هنا يأتي الخلل بأن تكون الدول التي دخلت في صلب خصوصياتنا وهزت أمننا، وجدت أن منشأ الضعف متوفر داخل البنية العربية، والدليل أن المواطن العربي، الذي غرق في شؤونه الشخصية ومتطلباته التي لاتتحقق بسهولة والذي يرى الأشياء الخاطئة، ولا يدري كيف يعالجها طالما يده مغلولة، وغارق في هموم العيش والوظيفة والسكن والاستشفاء، هو من فُرضت عليه تلك السلبيات وجعلته خارج خدمة أي عمل..

في مرحلة سابقة كان المواطن العربي يتظاهر ويحتج ويقاوم بشكل إيجابي للضغط على القوى الكبرى حين امتنع عن تسهيل شحنات البواخر بالموانئ، وتعطيل الطائرات المدنية، وإيقاف العمل بالشركات التي تتبع تلك الدول، لكنه في النهاية، وجد أنه الضحية لتلك الممارسات وأفكارها التعبوية، على اعتبار أن ما يجري الآن لا يهدد سلامته الشخصية، وإنما الوطنية، وهنا تحول العبء إلى قضية وطنية وقومية، وصرنا هدفاً لأضعف القوى، وأقواها..