من نحن وما هو الزمن؟ فالأيام تجري، والحياة تجري، ونحن نجري.. وما الأيام إلا تقسيمنا للزمن، أو هي في الأصح التقسيم الإلهي للزمن، والواقع أن الأيام هي الأيام، نضبطها بعقارب الساعة بل بما هو أدق من الساعة، فلا تتغير، ولا تتبدل ولكننا نحن الذين نتغير، ونتبدل، نلهث، ونركض تأكلنا الأيام بمنشارها الذي لا يتوقف، فنموت ونحيا .. يدفن بعضنا بعضاً، ويركض بعضنا خلف بعض، أجيال تنبت وأجيال تحصدها الأيام، وأجيال تنتظر القدوم كي تركض، وتلهث، وتموت، وهكذا هي سنة الحياة بل هي سنة الخالق في ناموسه للحياة.. غير أننا لانعي ولا نستبصر ولا نتعظ، يدفن بعضنا بعضاً، ويواري أحدنا قريبه أو صديقه ثم ينفض عن يديه التراب، ويبدأ في الحديث عن الحياة وعن الكسب! وكنا لحظة الموت قد بكينا، وواسينا، وتأسفنا، ولكننا سرعان ما نسينا وكأننا أبداً لن نموت! كأننا أبداً لن نسكن بيوتنا الحقيقية تلك الحفر الضيقة الضئيلة من الأرض فهي مستقرنا ومستودعنا الأبدي إلى أن يشاء الله..
وهذا سر من أسرار استمرار الحياة وإعمار الكون، إنه ذلك الشيء الذي يشبه يقين استمرارية الحياة، ويشبه الشك في يقين وقوع الموت، ولذا قال النبي الكريم: "لم أرَ يقِيَناً كالشّك مِثل الموتء".
كلنا يعرف الموت وكلنا يعلم أنه سيدركه ولكننا نتجاهل، أو نتناسى، أو نتباطأ حضوره ونزوله بساحتنا مع أن كلاً منا يولد وشهادة موته بيده !!
لست من الذين يدعون إلى التوقف، وانتظار "عزرائيل" ولا ممن يمقت الحياة لأنها في النهاية سوف تؤول مع كل من عليها إلى رفات .. فلو ذهبنا هذا المذهب، وفكرنا هذا التفكير لماتت الحياة قبل موتها، ولتعطل كل شيء في كوننا المتحرك المتوثب السريع.. بل إنني أدعو وبإصرار إلى العمل الدؤوب، والبناء، والإعمار والضرب في الأرض، والسير في مناكبها بجد وراء لقمة العيش ... ولست أدعو ايضاً إلى الزهد والرضا بالقليل، والدخول في كهوف القناعة التي تظللنا بغمامة الكسل.. ولكنني أدعو إلى التبصّر، التبصر ونحن نعمل، ونحن نسعى إلى أن ما نفعله هو في النهاية زوال وإلى زوال، وأن الحياة وما فيها لا تستحق كل هذه الشحناء، والكراهية والبغضاء، ولا الكيد والمكائد، ولا تستحق أن نسخّر عقولنا للتخابث، والتحايل، والمكر من أجل الحصول على شيء قد يكون زائداً عن حاجاتنا وفوق ما تحتاجه رحلة الحياة منا..
ولكن مع الأسف هناك أناس نسوا إنسانيتهم بل تجردوا، وانسلخوا منها نهائياً، فوقفوا إلى جانب الظالم ضد المظلوم، ومع القاتل ضد المقتول ومع الباطل ضد الحق والعدل والإنصاف، امتهنوا حرفة النفاق والرياء، والدجل والخداع، ومارسوا احتقار عقول الآخرين، وكرامتهم، وإنسانيتهم، فألّبوا عليهم المتسلّط، وهللوا للمحتل، وأيدوه، وآزروه، وسبّحوا بحمده ضد أهلهم، وذويهم وأوطانهم وأجيالهم القائمة والقادمة، وباعوا ضمائرهم بثمن بخس !! كل ذلك من أجل متاع دنيويّ زائل، ينتهي كله ويذهب كله، بإصابة أحدهم بمرض أو وباء، أو موت وفناء.. كما أن هناك أناساً نسوا هاجس الفناء، وسيطر عليهم هاجس البقاء، والاستزادة إلى درجة الجشع، ونهب قوت الآخرين.. وسخروا زمنهم للتفكير، والتدبير، في الغارة تلو الغارة، والسطو وراء السطو، بطرق مختلفة، قليلها جائز مشروع، وكثير منها محرم ممنوع ... وكم كنت أتمنى لو أن أولئك إذا أووا إلى مهاجعهم وقبل أن يسدل النوم ستاره على عقولهم فيحجب غبار معارك حياتهم اليومية، كم أتمنى أن يتفكروا ويفكروا، ويسأل أحدهم نفسه: ثم ماذا؟ ماذا لو ربحت كذا فوق كذا وحصلت على هذا زيادة على هذا؟ ولماذا أرهق نفسي كل هذا الإرهاق، وأوذيها كل هذا الأذى..؟ بل لماذا في طريقي هذا آذيت فلاناً، أو عاقبت فلاناً..؟ ثم ماذا يجدي إن أنا أطحت بفلان، أو أنني انتصرت عليه حقاً كان أو غدراً وظلماً..؟
هل سأعيش عمراً فوق أعمار الآخرين؟ هل سأسلم من المرض، ووعثاء السفر في طرق هذه الحياة؟ هل هناك ضمان يقيني من مصائب الدنيا، وحوادث ونوازل الأيام وعواقب الآخرة؟ ثم ماذا سأكسب من هذا اللهاث، والركض العنيف وراء زخرف الدنيا والتي صورها أبو العتاهية أدق تصوير بل نعاها أصدق نعي حين قال:
في سَبيلِ الله أنفُسُنا
كُلّنا بالموت مُرتَهنُ
كلّ نفسٍ عِندَ ميتتِها
حَظُّها مِن مالها الكفَنُ
إنّ عمرَ المرء ليَس لهُ
منهُ إلاّ ذِكره الحَسَنُ
فلو أن المرء في بعض حالاته تصالح مع نفسه، وحاسبها، وراقبها وجعل بينه وبين التعامل مع الآخرين مخافة الله، وحذر هجمة هادم اللذات التي قد تأتيه بغتة وبلا نذير! لو أنه فعل ذلك لغير مسلكه بلا شك، ولوجد راحة كبرى في القناعة بما يسر الله له، ولما اعتدى وما ظلم وما غشم، ولنام قرير العين راضي النفس مغتبط الفؤاد قبل أن تأتي عليه نومة طويلة لا يدري ماالذي سوف يواجهه فيها ... وإلى الله تصير الأمور .
1
صدقت أخي عبدالله أسأل الله ان يوفقك على هكذا طرح. نعم هذه الاسطر التى سطرتها جدير بالانسان المسلم ان يمثلها واقعا يعايشه. لينام قرير العين راضى النفس. كم نحن بحاجة لمثل هذه النصوص التى تزرع الخوف من الله وتوقظ الضمائر الميتة التى ماتت قبل جسدها.!
مشاري الرويلي - زائر
06:47 صباحاً 2008/02/22
2
أستاذ/ عبدالله الناصر جمعة مباركة،
*
ليس الغبى بسيد فى قومه == ولكن سيد قومه المتغابى.
*
من أروع ما قرأت عن تناقضات الحياة،
هل تفكيرنا ضيق إلى هذا الحد،
أم أننا إستوعبنا الحياة بكل متناقضتها،
لا أعنقد اننا بهذه القدرة والعبقرية التى تجعلنا متيقنين بذلك،
قد يقول قائل: أرنا سعيك لبلوغ المرام؟؟
كيف افعل وأنت المثبط لعزائمي،
كيف افعل وأنت تتهمني،
كيف افعل وأنت تجرحني،
كيف افعل وأنت تتدعي أنك تعاتبني،
كيف افعل وأنت تظن بي الظنون،
لكني أسير في الحياة كما كُتب ليّ،
وسيفعل بي الله مايشاء.
ابو عبد الكريم1 - زائر
06:51 صباحاً 2008/02/22
3
جزاك الله خير اخ عبدالله على هذا المقال
و الله يرزقنا و اياكم حسن الختام
محمد - زائر
06:55 صباحاً 2008/02/22
4
حرام عليك، كذا تقتل الهمم، ما قدرت اكمل الموضوع من الاحباط
أحمد المالكي - زائر
07:07 صباحاً 2008/02/22
5
يا سلام سلم تعال شوف وأتعلم من عبد الله الناصر كيف تغير أسلوبه وبرهن لنا بأنه أبن الحرمين هو..وفهد العامر الأحمدي كم مواضيعهما تحولت وحالهما تغيرت وكل ما قلته عين الحقيقة ولكن لا تعليق عندي لإنك لم تبقي لنا شئ عزيزي كاتبنا المبدع أخي في الله.ولله أكتب.غير خواطري لكما
ليس المهم الخطأ والنسيان.المهم العودة لبر الأمان
لا تقل أكتب علان وفلان.بل قل أكتب للرب ثم الوطن والأعيان
أنا عبد الله الناصر.وهذا أخي فهد عامر الأحمدي كانت لنا وقفات الخطأ والنسيان؟!
من أجل سفاف الدنيا وعشنافي حرمان
مريم عبد الكريم عبد اللطيف بخاري..جدة - زائر
07:53 صباحاً 2008/02/22
6
أستاذ/ عبدالله الناصر حفظك الله والجميع،
هناك أمور كثيرة في الحياة تجد نفسك (متورط) فيها وأنت نفسك
لا تعرف كيف وقعت فيها، الثقة بالنفس تجعلك لا تفكر في صغائر
الأمور ولكن عندما يكون الحقد والحسد هو السبب المباشر لتلك
الأفعال ضدك، فإن المخ يبدأ بتسجيل هذه الذكريات المؤلمة بكل
حذافيرها، مع أنك تستمر بعمل ماهو مفيد لك وللغير حتى وإن لم
يشعرون، هو يحاول أن يحطمك ويفشل، وبقدرة الله فرصة الإنتقام
المشروعة قد حانت، ولايضيع حق وراه طلاب،
*
(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ).
ابو عبد الكريم1 - زائر
08:04 صباحاً 2008/02/22
7
جزاك الله يا خوي عبد الله الناصر على كلامك الجميل والمفيد
ا م عبدالله - زائر
08:41 صباحاً 2008/02/22
8
جزاك الله خيرا يااستاذ عبد الله على هذه الموعظة البليغه ووالله إني اعجب مما يحصل من تخاصم بل وتقاتل بين الإخوة الأشقاء من اجل مبالغ زهيدة.
سعود - زائر
09:15 صباحاً 2008/02/22
9
الاستاذ عبدالله. الله يجزاك خير والله مقال عقلاني. يجعل العاقل يتوقف عنده طويلا..والله يعين على الدنيا.. ويعلم الله اني احتفضت بهذا المفال.. لك فائق احترامي
عبدالعزيز النفيعي - زائر
09:57 صباحاً 2008/02/22
10
احسنت ايها الكاتب الرائع
دائما مواضيعك رائعة
وللخير والجميل جامعة
وان دل على شيء فانما
يدل على قلبك الناصع
عبد الاله محمد - زائر
10:04 صباحاً 2008/02/22
11
لا فظ فوك يا أبا عبد العزيز
افدتنا بما يجلي اغثاء عن النفس. وليت امثالك كثر.. في هذا المجتمع الذي اختلطت فيه الهرج والمرج.. جزاك الله خيرا على هذه الكلمات الجميلة التي تبز الكثير من المقالات..اليائسة في تأثيرها.. والمملة في استعراضها.. لا فظ فوك على هذا البداع..
عرفناك بنصائحك واخلاصك ونبذك للحقد والحسد... رحم الله من رباك على هذه الاخلاق الحميده...
لايحمل الحقد من تعلو به الرتب *** ولا ينال العلا من طبعه الغضب
فقد نلت العلا ومنحت الرتب حقا ووالله انها تسمو اليك..
العريفي الخالدي ! - زائر
10:45 صباحاً 2008/02/22
12
جزاك الله خيرا يا استاذ عبدالله
ان الذكرى تنفع المؤمنين نأمل ان لاتضن (لاتبخل) علينا بمثل هذه المقالات بين الفينة والاخرى.نفع الله بك
ام عبد الله - زائر
11:23 صباحاً 2008/02/22
13
>>>ما أجمل مقالك مع أشرقة شمس يوم جديد بين نخيل الدرعيه؟
> يذكرني بصفاء أهل النفوس الكريمه؟
> لا سوق مال,لا نزول مؤشر,لا أرتفاعه!!
> كل السالفه زرع,حصاد,أكله طيبه,نعمه مباركه+
> صلاتي في وقتها؟
> وياالله حسن الخاتمه؟
> الدنيا,,الدنيا اليوم مثل أمس؟
> التاريخ مو على سطحها التاريخ,السجل,التصفيات؟
> كله تحاصيل,علم ,تربيه؟
>عند ربك وش عطيتها من صدق,أمانه,حقوق الناس؟
( بدر اباالعلا ) - زائر
11:48 صباحاً 2008/02/22
14
مقاله مؤثره ورائعه...جزاك الله خير وجعلها فى ميزان حسناتك.
ماجد رجاءالله الظاهري - زائر
12:14 مساءً 2008/02/22
15
جزاك الله خير يا عالم اللغة العربية. ووفقك الله لما فيه خير أمتك ووطنك وشعبك.
أبو محمد - زائر
12:57 مساءً 2008/02/22
16
عبد الله الناصر
كلام ابدعت يالغالي في تصوير الحقيقه وشرحها
كلام يخلد لك باحرف من ذهب
اخي عبد الله لله درك..
تقبل تحيات اخوك / سعود السهلي
سعووود - زائر
01:10 مساءً 2008/02/22
17
اللهم اجمعني بالكاتب ومن نحب جميعا في جناتك جنات النعيم.
ابو ماجد - زائر
01:30 مساءً 2008/02/22
18
ياخي وش نسوي حنا ماقالو قلنا وماسوو سوينا ولا يمكن نحدث جديد بهذا الكون نعم موت حياة مرض صحة غنى فقر كبير صغير طويل قصير كل شي وله مقابل ولكن الذكر تبقى وهذا ما اجابه حاتم الطائي عندما سؤل عن ماذا تستفيد من الكرم فقال الذكرى وصدق قوله فلا زال ذكر حاتم الطائي على كل مادبة ولسان وهذه الحياة ناصر حمد /حائل
ناصر حمد - زائر
01:36 مساءً 2008/02/22
19
عندما يرى البعض نفوساً طيبة مسالمة كريمة تحسب لكل تصرفتها وتحاول دائماً التقدم نحو الأفضل،فإنهم يعتبرون هذا السلوك أمرسلبي كضعف أو قلة حيلة، لكنهم أغبياء، سيطر عليهم الشيطان ونفوسهم الرديئة، فكانت أغراضهم لا تتجاوز موطىء أقدامهم..
بدر عبدالله - زائر
02:49 مساءً 2008/02/22
20
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كيف حالك إن شاء الله بخير
و هذا مقال فعلا يلخص لنا حياتنا و معيشتنا و فعلا هذه هي سنة الحياة فسبحان الله خالق كل شيء.و بارك الله فيك يا أستاذنا القدير على هذا المقال الأكثر من رائع
صبرينا.ر.الجزائر - زائر
02:58 مساءً 2008/02/22
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة