كل من يتعرض للسياسة العربية، ويحاول إصلاحها، لابد أن يدخل دائرة الاتهام بالعمالة والنفاق، والرشوة، وعندما تعتزلها، فأنت جبان و"انخراعي" وحتى القيام بالوساطة بين الخصوم يُعدُّ مغامرة كبيرة، لأن تبديل المواقف، ونقض المواثيق، والتبرؤ منها، جزء من لعبة تكسير الأصابع، وتعريض كل إنسان لاتهام جديد..
الوطن العربي غني بآثاره وموارده النفطية والزراعية، ومواقعه الحساسة، لكن لن يكون الموروث التاريخي بيئة للسياحة، ولا النفط قادراً على فتح أبواب الاستثمارات البينية لأنه "بترودولار" يحمل أجهزة التجسس والمؤامرات حتى لو كان سلعة تتدفق مثل مياه الأنهار العربية، ولا موضوع الاكتفاء الذاتي من الغذاء، على لائحة المخططين الاستراتيجيين، إن وجدوا، لأن الإنسان يعيش حالة التهميش والقهر، والضياع باسم معوقات الحرية والإنتاج..
فإما أن يكون يسارياً تقدمياً ، أو يمينياً تبعياً للأعداء، لكن أن تتحول من قومي وحدوي، إلى طائفي، ومليشياوي ضد قوى الأمن والجيش والوحدة الوطنية، أو أن تتبع نظاماً إقليمياً يتعالى فوق ترابط الوطن، فهذه آخر مستلزمات النجاح، لأنه في تلك المشاتل تنبت الأشواك والأعشاب السامة، والمطلوب أن يكون العرب بيوتاً للمرضى..
على سبيل المثال، لقد تعرضت المملكة، ومصر والأردن، في السنوات الأخيرة، لأبشع التصوير الخاطئ، فعدا أنها دول عميلة تسعى إلى تنفيذ أوامر ومصالح أمريكا، فهي ضد العمل القومي وخاصة المقاومة في العراق، ولبنان وفلسطين، وتعمل على نشر "الفوضى الخانقة" إن صح التعبير ومع ذلك هناك من يذهب للحضن الأمريكي يتوسط ببعض الأصدقاء، ويعانق إسرائيليين بوسطاء آخرين، ويدعي الطهارة، وشعبه يعيش مظالم السجون والمعتقلات وزوار الفجر..
لا أحد يستطيع القول بكمال أفكاره ونظامه، ولكنه لا يستطيع أن لا يقول بسلامة توجهه وبثقة تامة في جهوده في حل المرض العربي المزمن، ولأننا لا نتفق على أصغر مساحة للحوار، لجأنا لقراء الكف في الأمم المتحدة، ولبصّارات مجلس الأمن، وعند العجز عن توفير بعض الحلول نفتح أبواب الإعلام المرئي، والمسموع في حرب تكررت ألفاظها ومعانيها، وفعاليتها، لكن أن ننعم بسلام ذاتي مع أنفسنا، وننطق بالحقيقة، وليس بأساليب المحاكمات، وإنما تعريف الأشياء وفقاً لمعانيها، فهُنا اللعنات، وخروج المألوف المتعارف عليه بمن هوحامي الأمة وعدوها..
من السهل الوقوف على الوسط، أو تجاهل الأوضاع العربية، والالتفات إلى الداخل المحتاج لصرف الجهود، والتخطيط لمراحل أخرى واعتزال العمل السياسي، إلا ما تؤديه الجامعة العربية باجتماع مندوبيها، أو رفعها إلى المجالس الوزارية، وعند ذلك يأتي الفهم بمواجهة كل نظام لوضعه ومحيطه، وهي قضية استفادت منها دول المغرب العربي، وعُمان، عندما ابتعدت عن التشابك العربي، وأخذت بمبدأ الإصلاح الداخلي، لأنه الأحق، وهذه ليست دعوة للانعزال، وإنما كفر بما يحدث من أنظمة عربية، يعتقد بعضها أنه محور حركة الكون بمؤثراته السياسية، ولكنه يجهل أن الأمور تقاس بحدودها النسبية، وليس ببطولاتها الطوباوية..