بحث



الأثنين11 صفر 1429هـ -18 فبراير 2008م - العدد 14483

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


واقع التخلف أقوى من فكرة إصلاحه

د. علي بن حمد الخشيبان
    عنوان هذا المقال مقولة للشيخ محمد عبده والذي قال أيضا "إن سبيل الشرق الوحيد إلى النهوض هو القيام بحركة دينية كحركة لوثر في الغرب" هذه الرؤية تعكس رغبة الشيخ محمد عبده في تشكيل حركة إصلاحية تتمكن من قراءة جديدة لواقع الحياة الإسلامية. الفكرة الرئيسة التي يقوم عليها هذا الافتراض هي عملية إصلاح في الفكر الديني بالدرجة الأولى وهذا يرفعنا إلى محاولة التعرف على الكيفية التي تكون عليها فكرة الإصلاح التي يفترض الشيخ عبده بمماثلتها بالتجديد الذي تعرضت له المسيحية على يد مؤسس البروتستانتيه لوثر في القرن السادس عشر.

خطاب النهضة الذي يسعى إليه الشرق الإسلامي يقع في أزمة أمام تساؤلات كبرى: منها إن مفهوم الثقافة الإسلامية والحداثة لم يوضحا موقفهما بشكل عملي من بعضهما وبقى مشتتا من حيث الفهم، بينما مفهوم الحداثة في الثقافة الغربية نشأ في كنف التجديد في الفكر الديني الذي بدأ في مراحل متقدمة يعود تاريخها إلى ما قبل القرن السادس عشر. كما أن مفهوم الحداثة في الشرق تعرض لممارسة سلبية فهناك من أوقفه في المنتصف بين المجتمع والإسلام وعلى الحدود بينهما مما افقده هويته الحقيقية وفقدت أهدافه التطويرية تحت معاول التقليدية التي أصدرت موقفها من الحداثة على شكل فتوى مختصرة وليس على شكل مناقشات عميقة.

لقد كانت محاولات الشيخ محمد عبده يائسة في شرح موقفه الإصلاحي وعبر عن وحدته اليائسة في الإصلاح مما جعله يقول بكل أسى "واقع التخلف أقوى من فكرة إصلاحه" لقد كان يشير الشيخ محمد عبده إلى قضايا متعددة من أهمها نقده لعلماء الأزهر باعتمادهم على كتب تم تأليفها في القرون الوسطى، أضف إلى ذلك الواقع الذي يئس منه كثيرون بعد الشيخ عبده بقرن من الزمان.

إن الفهم في المجتمعات المتخلفة يبقى فهما متخلفا حتى لو كان هذا الفهم للتراث والفكر الأساسي في المجتمع والعكس صحيح، إشكالية الشرق الحقيقية تكمن في ادعائه الفهم الحضاري من خلال قصور في المجتمعات وفي وعيها الثقافي والاجتماعي والسياسي.

الاعتقاد بأن وصفة الدين وصفة ثقافية وجرعة فكرية واجتماعية هو اعتقاد خاطئ وصفة الدين هي مسار يحتاج إلى جهد فكري لإدراكه والتعامل معه، فليست العبادات وحدها تحقق التحول والتجديد في حياة الإنسان ولكنها الطريق الذي يصنع التحول. الفكرة التي أحاول طرحها في هذا الموقف تتمثل في طرح تساؤلات حية عن الواقع الفكري والمحاولات القائمة لتفسير هذا الواقع الذي نعيشه.

بالتأكيد ليس لدي إجابة جاهزة ولكن هناك أسئلة أساسية لمناقشة فكرة التجديد والحداثة لعلنا نحاول جميعا إعادتها بشكل آخر ومنها على سبيل المثال: لماذا ليس لدينا حركة تجديدية للفكر الإسلامي تنتزع لنا منهجيات كتلك التي حدثت لدى غيرنا...؟، هذا السؤال لابد وان يضع الحداثة ومقومات حدوثها شرطا أساسيا لإجابته. لابد وان نطرح أيضا الكثير من التساؤلات الفرعية التي يجب أن تشجعنا على سرد أمثلة تاريخيه لحركات التجديد التي قبلناها وعملنا بها ولكننا توقفنا عندها، فالتاريخ الإسلامي ملئ بالمصلحين الذين تجاوزوا الماضي والحقيقة انه من المتوقع أن نرحب بالمصلحين الجدد بدلا من الركون إلى واقع تاريخي أصبح لا يتناسب مع الزمان والمكان الذي نعيشه.

إن الوقت قد حان لحركة تجديدية تعبر بنا الزمن بطريقة ماهرة وان لم يكن فعلينا أن نبحث عن إجابة اكبر عن سبب وقوف المسلمين ضد إصلاح فكرهم الديني الذي بقي متنازعا بين المختلفين..؟، التطرف الذي شهده العالم الإسلامي هو تعبير عن توقف الفكر الإسلامي عن ممارسة التحول والتغير والتجديد وليس هناك أسباب أخرى تشرح ذلك، فالحاجة إلى إصلاح جذري يعيد القراءة من جديد هو المشروع الإصلاحي الذي سوف يحتضن الجميع تحت مظلته.

فالحداثة التي تحاول أن تفهم كيف يمكن للفكر الإسلامي أن يعيد قراءة نفسه هي نفسها تتعرض لهجوم غير مبرر من المجتمع. المشروع الإصلاحي للفكر يجب أن لا يكون مشروعا محليا بل هو مشروع الأمة الإسلامية ومنظماتها، ولكن على المستويات المحلية يجب الإعداد والتجهيز لمشروع تحديثي يتيح في البداية طرح الأسئلة المباشرة عن الواقع الفكري المحلي.

إن أسئلة دقيقة حول الفكر المتطرف الذي أنتجه التخلف قبل أن ينتج الإرهاب، يجب أن تتاح للمثقفين والعلماء لمناقشتها كما يجب أن يتفق المجتمع على مصادرة الفكر المتشدد بأي شكل كان فهو الذي يؤدي إلى انحراف المسلم عن المنهجية الحقيقية أثناء عملية فهمه أو تعاطيه أو ممارسته وخاصة ذلك الفكر الذي أنتج في أزمان ماضيه. التشدد كمفهوم وممارسة وتطبيق هو سبب أزمتنا التاريخية لان بالتشدد يمكن تحقيق أهداف اجتماعية وثقافية بطرق سهلة وليكن التاريخ شاهدا لنا على هذه المفاهيم.

قضية الإصلاح في الفكر الديني أيضا تعاني من إشكالية أساسية تتمثل في أن المفهوم الإسلامي وممارساته الفكرية والتطبيقية تصبح أكثر جمودا عندما يصل إلى العامة من أفراد المجتمعات- بشكل أدق هذا ما نطلق عليه الممارسات المتشددة في تطبيق الدين حيث يتشدد الفرد في التطبيق اعتقادا منه أن ذلك هو الوسيلة الوحيدة لاتباع الدين بينما الحقيقة هو عدم اكتمال للمعرفة المراد تطبيقها- لذلك يتعامل العامة مع الدين بكل جفوة ليس من حيث الاتباع ولكن من حيث التطبيق وينعكس ذلك عليهم فيبدو أكثر المتبعين من الأفراد متجهما عابسا كنتيجة لطريقة فهمه لممارسته الدينية.

الكثير من الممارسات المرتبطة بعلاقة الدين بالأفراد مثل النصح والتوجيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعكس هذه الفكرة عن جمود المفهوم لدى العامة لمنهجية تفعيل الفكر الديني في المجتمع وهذا ما يجعل عملية التجديد صعبة دون الرجوع إلى أساساتها بل قد يستحيل ذلك وهذا ما جعل المسلمين يعتبرون الماضي أكثر نفعا لهم من فكرة التجديد والتحديث.

الإصلاح في الفكر الديني تواجهه الكثير من المعوقات الاجتماعية والسياسية بل إن حدوثها يبدو شبه مستحيل في الواقع فالتراكم الذي ورثته الأمة الإسلامية تداخلت فيه الكثير من القضايا.

نحن بحاجة إلى أن نعيد قراءة واقعنا الفكري بعيدا عن قضايا كثيرة مثل قضية فلسطين أو أفغانستان أو العراق أو الاختلاف المذهبي، فمن المستحيل أن نوجد آلية لتحديد متطلباتنا الفكرية في ظل ربطها بقضايا لها تداخلات بواقع جغرافي واستراتيجي مختلف.

أكبر المشكلات التي تؤجل تقدمنا في عمليات قراءة حديثة لواقعنا الفكري، هي محاولة إقحام فكرنا وتراثنا في كل مهمة نقوم بها بل نحن من يجبره على استجلاب واستحلاب التاريخ لمواجهة مشكلاتنا فعندما ندرك أن تراثنا لا يستطيع فعل ذلك نقوم بعملية لتركيب الأحداث التاريخية في مواقع ليست حقيقية ومعنى ذلك أننا لازلنا غير قادرين على الاستنتاج من فكرنا فجل مهمتنا هي التكرار والاعتماد على من سبقونا فقط.

8 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


بارك الله فيك مقال جميل يشخص الواقع ويبحث عن التغيير الأيجابي. لكن يبدو لي ان الخطر الذي نواجهه في الوقت الحالي هو التطرف القبلي والذي يعتبر اسوء واقبح ملايين المرات من التطرف الديني.


احمد منصور
ابلاغ
09:18 صباحاً 2008/02/18

 


في واقعنا الأليم لن يتحرر الفكر من عقاله إلا بثورة فكرية تتبناها السلطة السياسية العليا وأنا لاأرى ذلك.
من هذا المنطلق لماذا لانختصر المسافات ونستفيد من التجربة الماليزية القائمة حالياَ.
تحياتي,,,


شاكر الصقور
ابلاغ
09:35 صباحاً 2008/02/18

 


وتلك الايام نتداولها بين الامم.
الشئ الايجابي الوحيد في الامة العربية انها بفشلها وتخلفها تساعد الانسان على عدم السعي في الدنيا والتفكير بالعمل للاخرة.
وشكرا


عابر سبيل
ابلاغ
11:11 صباحاً 2008/02/18

 


موضوع المقال موضوع شائك وبالفعل يبعث على اليأس والاحباط! ما اشبه اليوم بالبارحة!وكأن الشيخ محمد عبده قال تلك العبارة لتعبر عن واقعنا المعاصر..
الكثير من مشائخنا ودعاتنا وقضاتنا وعلماؤنا ومفكرينا تعودوا على الامور التقليدية ويفضلونها على اقحام انفسهم في مسائل فكرية قد تكون خلافية..
المجدد يتهم بانه علماني..الخطيب يتحاشى الحديث عن مشاكل المجتمع..القاضي يحث المتخاصمين على الصلح..رجل المرور يحث المتصادمين على الصلح..(اصلحوا!)..الكثير يستخدم (باب سد الذرائع ) للحجر على العقول؟!


ابو تمام
ابلاغ
12:26 مساءً 2008/02/18

 


انه زمن الجبن الفكري وتقاعس الاجتهاد...انا لا اتفق مع الكاتب في قوله بان على المجتمع مصادرة الفكر المتشدد...يجب عدم مصادرة اي فكر وما ينبغي عمله هو مواجهة اي فكر ظلامي او متشدد او...بفكر موضوعي مستنير..وفكرة المصادرة بحد ذاتها لاتنم عن فكر مستنير..
قبل عدة سنوات كان الكثير يعتبر التامين حرام ولكن حدث بعض التطور الايجابي في بعض مفاهيم المجتمع وقس على ذلك الكثير من المسائل..حتى الديموقراطية لايزال من يعتبرها حراما او كفرا...الخ ولكن بمزيد من التوعية والنقاش البناء ستتغير المفاهيم الى الاحسن.


ابو تمام
ابلاغ
12:38 مساءً 2008/02/18

 


طبعا يا دكتور علي / فما بني على باطل فهو باطل.والتجديد الحقيقي يجب ان يتم سريعا قبل ان يفلت الحابل من أهل العلم اللذين بيدهم التدخل السريع.فالمجتمع يحتاج الا أعادة هيكله في المفهو الديني ( الأوحد ). شكرا لك دكتور.


ابو فيصل
ابلاغ
01:06 مساءً 2008/02/18

 


مما أعلم وليس مما أقرأ :
الاجتهاد لدينا مستمر وطلبة العلم على وعي كبير ولكن الإعلام لا يريد أن يبرزهم ثم إذا كان خلفك ألف هادم فهل يرتفع بنيان المصلح الواحد.
للأسف أن كلمة التجديد - وهي جيدة - قد امتطاها كل صاحب هوى ليظفر بمناه وبالمناسبة أحد مشايخ التجديد - في بلد عربي - رآه أحد طلابه يجلس مع فتاة فرنسية شقراء فلما سأله عن ذلك أجاب بأنه يريد أن يتعلم اللغة !!!
ويطالبوننا بالإصلاح !!
الطالح لا يُصلِح وفاقد الشيء لا يعطيه.
الأخ أبو تمام :
صاحب الفكر المنحرف ليس له الحرية في نشر رأيه


عبد الله الشهري
ابلاغ
05:06 مساءً 2008/02/18

 


سعادة الدكتور الحل للخروج من تخلفنا ليس يأتي عن طريق( إن سبيل الشرق الوحيد إلى النهوض هو القيام بحركة دينية كحركة لوثر كنك في الغرب) حركة لوثر كانت لاصلاح دين فاسد وتم الآصلاح بفساد اكثر.سعادة الدكتور ان مبعث الرسول الكريم كان لاصلاح الآديان الفاسده.ان اسباب تخلفنا ليس بسبب الدين انما بتركنا الدين وركضنا وراء افكار نستوردها من الغرب يا دكتور ديننا نظم لنل حياتنا الاجتماعيه والسياسيه والتجاريه والقانونيه حتى طريقة الاكل والنوم والخوروج من البيت.فهل طبقنا ديننا اول امر تلقاه الرسول من الله اقرأ


حسن اسعد الفيفي
ابلاغ
11:11 مساءً 2008/02/18


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية