يقول سألت نفسي هذا السؤال المقلق... بعد أن قلّبت ملفات أرشيفي الالكتروني الذي وثّقت فيه كل مشاركاتي وبطولاتي ومشاكساتي الالكترونية خلال الأعوام الماضية. والفاجعة أنني لم أجد من بين موضوعاتي التي تجاوز عددها رقما ذا خانات أربع أي موضوع ايجابي سطّرته مفتخرا ببلادي ومجتمعي أو منافحا عن ثقافتي وحضارتي. الذي اعرفه أنني تنقّلت خلال هذه السنوات بين عدد من المنتديات بل وأنشأت واحداً منها وكانت المحتويات الواردة والمنشورة في معظمها لا تبرز إلا الوجه السلبي في وطني وكأن لا جميل في بلادي ومجتمعي يستحق النشر.
ومن الذكريات المرّة التي يصعب تبريرها جملة من المواقف السلبية التي اتخذتها إبان إشرافي على منتدى حواري شهير إذ كنت وقتها حريصا على ألا أترك الموضوعات التي تتحدث عن نقاط الضوء في وطني على صدر المنتدى إلا لدقائق. وإذا طرح احد الأعضاء المؤثرين موضوعا فيه بعض الايجابية تجاه مؤسسة عامة أو شخصية أو حتى منطقة من بلادي كان ذلك مدعاة لسخريتي وتجاهلي بل وفي أحيان كثيرة كنت أشنّع على كاتبه "برودة" الموضوع هذا إن لم أجتهد في حذف الموضوع أو أَغلق الحوار حوله بشكل نهائي.
لماذا لا أحب وطني؟ سيظل هذا السؤال يحاصرني كلّما تذكرت تلك السلسلة من المواضيع التي نشرتها في ذلك المنتدى الشهير عن بعض المؤسسات والشخصيات العامة الذين تتبعت عوراتهم وفتّشت في أسرارهم ووثائقهم وخلطت الحق بالباطل مبتهجاً بضخامة عدد الزوار، ومتباهيا بتضاعف الردود والتعقيبات على هذه السلسلة التي لم ابتغ بها إلا الشهرة خلف اسمي المستعار دون اعتبار للعواقب. وفي حقيقة الأمر أنا لا اعرف ما هي دوافع بعض أعمالي ولا اعرف تفسيرا لمحفزات سلوكي حينما كنت أنتشي لنشر فضيحة أو تسريب وثيقة أو ترويج شائعة.
المشكلة أنني أعلم أنّه لا يمكن أن يكون محبا لوطنه أو معززا لوحدته من نشر مثلي عشرات الموضوعات للنيل من أبناء منطقة بذاتها أو للسخرية من فئة أو عشيرة أو قبيلة بعينها إرضاء لنفس ضعيفة سحبت صاحبها إلى حفر مناطقية ضيقة أو استجابة لرغبة حمقاء زينت لمن تملكته "تميز" نشر وترويج مثل هذه الكتابة السوداء على صفحات الوطن البيضاء لاستجلاب الردود والتعقيبات ورفع عدد الزوار.
واذكر أنني في مرحلة من مراحل عمري الالكتروني مررت بصحوة غير راشدة فاستسهلت تصنيف رموز مجتمعي وإطلاق قصص التشهير والتفسيق حول من لا تعجبني آراؤهم مع أنني آنذاك بالكاد افهم الضروري من أمر ديني. والمصيبة أنني حينما عدت إلى سيرتي وتيهي في دروب الانترنت ومنتدياتها استأنفت ذات السلوك على نفس الطريق فسخرت من كل قيمة اجتماعية وشرّحت كل فضيلة يصونها الشرع ويرعاها الأخيار والمصلحون.
يقولون أن الوطن هو "مكان إقامة الإنسان ومقره، وإليه انتماؤه" ولكنني لا اعلم وفق هذا التوصيف كيف اصف انتمائي ولمن قدّمته الكترونيا. وحين تصف المعاجم الشخص "الوطني" بأنه ذلك الشخص " الذي يتعلق بوطنه فيدافع عن حقوقه ويضحي من أجله" لا اعرف أنني ضحيت بشيء سوى وطني على شبكة الانترنت... هذه قصتي فهل من مرشد يعلمني.. كيف أحب وطني.
مسارات
قال ومضى: (سيضل) في التيه (برأيه) من لا (يستظل) في وطنه (براية).