طاش ما طاش.. حالة خاصة!
في ظهوره الأخير في برنامج (آفاق ثقافية) تحدث الفنان عبدالعزيز الحماد عن مسلسل "طاش ما طاش" بكثير من الشفافية وكان من ضمن ما قاله إن المسلسل عادي لا يحمل ما هو مميز فعلاً وأن سر شهرته يكمن في حصوله -هو لوحده ودون غيره- على هامش من الحرية أعطاه الفرصة لأن يقول ما عجزت عن قوله بقية المسلسلات السعودية الأخرى التي أنتجت في نفس الفترة. يقول الحماد إن "طاش ما طاش" استفاد تمام الاستفادة من ظروف المرحلة التي أنتج فيها، ففي ذلك الوقت من بداية التسعينات كانت الرقابة شديدة على نصوص المسلسلات الجديدة، في حين كان "طاش" مدللاً ولا يعاني مما يعانيه غيره، ولو أن بقية المسلسلات وجدت هذا الهامش من الحرية لما تميز "طاش" ولما حاز مكانته بوصفه الأكثر جرأة.
هذا الرأي بما يحتويه من شجاعة ليس مما ألفناه من الفنانين السعوديين الذين تعودوا على المجاملات فيما بينهم أو على النيل من بعضهم البعض لاعتبارات شخصية ومادية صرفة، أما أن يأتي من أهل الفن من يقول رأيه الصريح من الوجهة الفنية الخالصة وبموضوعية وجرأة لا يخالطها مطمع شخصي فهذا أمر جديد علينا، وهي محاولة أولى رائعة لتصحيح مسار الدراما السعودية، فمن غير هذا النقد الذي يخرج من زملاء المهنة أنفسهم لن تذهب الدراما السعودية بعيداً ولن تصل إلى الهدف الذي يتمناه كل محب غيور، خاصة مع عدم وجود ساحة نقدية حقيقية في الإعلام السعودي يمكن لها أن تهدي الفن إلى الطريق الصحيح.
شخصياً لست مع الأستاذ عبدالعزيز الحماد في رأيه وذلك لأني أرى أن "طاشاً" يمثل نقلة نوعية للدراما السعودية ولولاه ما كان للأعمال المحلية مثل هذا الحضور في الفضائيات اليوم، إضافة إلى أنه خلال تاريخه الطويل قدم بعض الحلقات التي يمكن وصفها بالكمال. لو حكمنا على المسلسل من الناحية الفنية الخالصة فلن يصمد بكل تأكيد لعيوبه الواضحة في النص والمعالجة، لكن من ناحية تاريخية لا يمكن أن نغفل إنجازاته التي من أهمها الارتقاء بالإنتاج السعودي من مرحلة الهواة والبدائية إلى مستوى التخطيط والمنافسة والعقود الضخمة.
إن ما يجعلني سعيداً برأي الحماد هو أنه جاء أخيراً بعد سنوات من المجاملة بين الفنانين، وبينهم وبين الإعلاميين، ولو عدتَ للبرامج الحوارية التي استضيف فيها الفنانين السعوديين قبل سنوات لرأيت فيها العجب من مجاملات صارخة لا تحترم عقل المشاهد، فهذا مخرجٌ صنع مسلسلاً سيئاً بكل المقاييس تتم استضافته في أحد البرامج ليجد سيلاً من الثناء من قبل صديقه مقدم البرنامج ومن قبل زملائه الممثلين الذين أمطروا البرنامج باتصالاتهم، وستجد برنامجاً آخر يستضيف ممثلاً ليس له من الإنجازات سوى شخصية واحدة يكررها في كل مناسبة ومع ذلك يجد كماً من المدح لم يحصل عليه "آل باتشينو" عندما فاز بالأوسكار.
مشكلة الساحة الفنية في السعودية -سواء الغنائية أو الدرامية أو المسرحية- أنها غارقة بالمجاملات، فكل فنان يؤمن بضرورة مدح زملائه، حتى أصبح الأمر كما الواجب الحتمي الذي لابد من القيام به، فلابد أن تجامل، أن تنافق، أن تمدح حتى لو خالفت قناعاتك الحقيقية، لقد أصبح الرأي الصريح وغير المجامل ضرباً من العيوب التي لا تليق والتي لابد من التخلص منها، فالأدب كل الأدب أن تجامل ممثلاً سيئاً وأن تثني على مسلسل رديء. وهنا أذكر موقفاً حصل لي مع أحد الممثلين حين قلت رأيي الصريح في مسلسله خلال مشاركة صوتية في برنامج حواري كانت تقدمه المذيعة المتميزة ريما الشامخ شفاها الله، فما كان من هذا الممثل إلا أن هاتفني بعد البرنامج ليبدي استغرابه من رأيي، فعبرت له عن استغرابي من استغرابه!، فقال بالنص: "لقد تعودنا أن تكون مثل هذه الآراء الصريحة بيننا وأن لا نطلقها للناس عبر التلفزيون والإعلام".
أعتقد أن كلام هذا الممثل يلخص المشكلة، ويثبت أن هناك تواطؤاً سرياً بين أهل الفن يجعلهم يمدحون بعضهم بعضاً عبر الإعلام؛ ربما من أجل تحقيق مكاسب مهنية ومادية. ولست أدري ما الذي سيضر الممثل لو قال رأيه في الأعمال الأخرى كمشاهد؟ فلن يخشى على تواجده لو كان موهوباً فعلاً. إن من يخاف من الصراحة هو عديم الموهبة وقليل الثقافة الذي يؤمن أن استمراره في الفن مرهون بعلاقاته الشخصية مع المخرجين والمنتجين والإعلاميين والتي سيفسدها حتماً الرأي الصريح. وفي ظل واقع مريض كهذا يكتسب رأي الأستاذ عبدالعزيز الحماد قيمته من كونه المحاولة الأولى لكسر حاجز المجاملات رغبة في تصحيح وضع الدراما السعودية، وهذا هو ما ننتظره من فنانين لهم باع طويل مع الفن ويمتلكون -وهذا المهم- ثقافة وتجربة تؤهلهم لإبداء الرأي الموضوعي في كل الأعمال السعودية..