الشيخ الأحمر..
ومن قال هذا البيت؟؟
في أحيان كثيرة تقع أعيننا على أبيات شعرية جميلة، فنحفظها، ونرددها بين الفينة والاخرى خلال الأحاديث اليومية أو في المناسبات، لتكون بمثابة عامل مساعد لتوصيل فكرة ما لا يمكن ان تصل الا بالشعر، فهو الأقصر والأضمن والأسرع لايصال المراد دونما الحاجة إلى الكثير من الجمل الإنشائية. لكننا ونحن نستخدم ونتذوق تلك الأبيات الشعرية نجد انفسنا في كثير من الأحيان لا نعرف اسم الشاعر الذي صاغها، أو المناسبة التي قيلت فيها. وقد يقول قائل ان هذا لا يهم طالما ان البيت الشعري المستخدم ينفذ إلى عمق الأشياء ويفي بالغرض الذي استخدم من أجله، لكنني ارى أن معرفة الشاعر، والمناسبة ستضفي مزيداً من التألق على جمالية الأبيات، بل هي التي ستعطي صورة وافية عن المكان والزمان والحدث.
وفي اليمن وكذلك في الجزء الجنوبي من المملكة العربية السعودية بما في ذلك منطقة نجران والمحافظات التابعة لها، يشتهر نوع من أنواع الأهازيج الشعبية الجميلة، والتي تعرف ب(الزوامل)، وهي أبيات شعرية مختصرة ومعبرة تقال وتردد في مناسبات مختلفة، ومن تلك (الزوامل) الشهيرة التي يرددها أهالي منطقة نجران إلى الآن في أكثر من مناسبة دونما (ربما) معرفة باسم الشاعر أو المناسبة التي قيلت فيها ذلك (الزامل) الشهير الذي يأتي على النحو التالي:
سلام يا مني وناله من دون لقصى والقريب
إلى صفا جالي وجاله ماهمني منهو حريب
ففي مذكراته التي نشرته مؤخراً، ذكر الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر -رحمه الله - ذلك (الزامل)، ناسباً اياه إلى الشيخ حامس العوجري، وشيخ قبيلة وائلة العريقة، وان بصيغة مختلفة غير تلك الواردة سلفاً، لا اعتقد انها دقيقة، حيث انها تعاني من خلل واضح في البنية الشعرية، وحتى في الموسيقى، اضافة إلى أنها لا تعكس على وجه الدقة اللهجة الجنوبية، وهذا ربما راجع إلى كاتب المذكرات أو خطأ طباعي من دار النشر، أو ربما الافتقار إلى المعرفة ب(الزوامل الشعبية).
وعن مناسبة هذا (الزامل) الشهير - الذي ارتبط بظرف تاريخي وسياسي في مرحلة من المراحل قوله: "واتفق عبدالناصر مع الملك فيصل على عقد مؤتمر في حرض يضم وفدين احدهما جمهوري والآخر ملكي، باستثناء السلال وبيت حميدالدين، ويعلنون الاتفاقية باسمهم ويطبقونها، وفعلا تم عقد مؤتمر حرض المعروف في 1965/11/26م وتشكلت وفود الفريقين، الوفد الجمهوري برئاسة القاضي عبدالرحمن الارياني، ومعه الأستاذ أحمد محمد نعمان، وأنا معهم، والشيخ أحمد علي المطري، والعميد محمد الرعيني، والعميد علي سيف الخولاني، والدكتور حسن مكي، وعدد من ضباط الثورة ومشايخ وعلماء وتجار الجمهورية، والوفد الملكي برئاسة السيد أحمد محمد الشامي الذي كان وزير الخارجية للملكيين، وعضوية عدد من المشايخ الملكيين الكبار منهم الشيخ ناجي الغادر، وحامس العوجري، وصلاح المصري، وغيرهم.. ومن المثقفين مثل محمد عبدالقدوس الوزير، وعلي عبدالكريم الفضيل، وغيرهم (.....) وعندما وصلنا إلى حرض تلاقينا جميعاً بقلوب مفتوحة وصدور رحبة وتبادلنا القصائد والزوامل الشعبية الأخوية المعبرة، والكلمات الودية أثناء افتتاح المؤتمر ومنها كلمة القاضي عبدالرحمن الارياني والتي عبر فيها عن روابط الأخوة بين اليمنيين مستشهداً بقول الشاعر:
إذا احتربت يوماً فسالت دماؤها
تذكرت القربي فسالت دموعها
ومن الزوامل المعبرة التي كانوا يردّدونها (زامل) قاله الشيخ حامس العوجري وهو من كبار قادة الصف الملكي يقول فيه:
سلام يا اللي أنت لي وأنا لك
من دون الأقصى والبعيد
إذا صلح حالي وحالك
ما همنا رأي البعيد.
وبعد فكما لاحظنا فإن هذا (الزامل) الذي مازال مفعوله سارياً في المناسبات المختلفة يثبت أن الشعر بشقيه الفصيح والعاميّ هو ديوان العرب بالفعل الذي خلد تاريخهم وتراثهم وحقبهم السياسية المختلفة، وما زال الشعر حتى اللحظة إحدى الأدوات المهمة في استكشاف التاريخ ورسم حالته السائدة حقبة بعد اخرى، والذي نحتاج له اليوم، عندما يتم البحث، والتقصي، والغوص في دهاليز التاريخ، ان يتم ذلك بالتجرد من الهوى، وبما تقتضيه الأمانة العلمية والتاريخية، لأن الشمس لن تحجب بغربال!!.