بعد جولة الرئيسين الفرنسي والأمريكي، والحفاوة التي لقياها ودفء المشاعر الذي شاهداه، هل خرجا بانطباع أننا نعيش مع حيواناتنا نحمل السيوف والبنادق لنتقاتل ونعلن العداء مع كل أجنبي ووافد إلينا؟ وهل نحن من بين الأمم كلها من يريد أن يكون على هامش التاريخ مجرد أمعاء تهضم ما يأتيها من مستوردات الغذاء وبعض منجزات التقنية الحديثة، وأننا بلا ظل للثقافة والمعارف الإنسانية، والتراحم، والتوافق مع الآخرين؟ لكننا لا نعيش العزلة ولا نكره الآخر، ولدينا اتصال بماضينا ومستقبلنا ونسعى أن نكون أحياء في زمننا وكل القادم من الأيام والسنين، نريد لأطفالنا التعليم والصحة والوعي والتواصل مع كل جديد في حضارة الإنسان، ولا نقبل أن نقاتل أو نقتل، نمارس حياتنا الطبيعية بسلام، نذهب لمساجدنا، وأعمالنا ومدارسنا، نبني مدننا بمصانعها وعالمها المتوافق مع البشرية، ونسهم في درء غزوات الجيوش البشرية ونكافح الأمراض الوبائية والنفسية، ونتحمل مسؤوليات أخطائنا لنعالجها بأسلوب منفتح بعيداً عن التطرف، وأن نلتقي، حتى مع أعدائنا بسلام مفتوح تتساوى فيه الحقوق والمصالح، ندوّر عائد امكاناتنا بالتنمية المسالمة، ونعيش كبقية شعوب العالم بسلام مع أنفسنا والآخر؟
بعد غزوات التتر لم نشهد من شهر سيفه بوجوهنا أو أرسل بوارجه لتدمر حياتنا من كل آسيا كبرى قارات العالم، بل كان بيننا تواصل حضاري، وتفاعل إنساني ساهمنا معاً بنشر ثقافة التسامح وقدمنا للعالم منجزاً حضارياً تداخلت فيه أعمال الهند والصين والعرب والفرس لنمهد لحضارات أخرى تساهم في تشييد المعمار البشري، ولم نتقاتل مع شعوب افريقيا وأمريكا اللاتينية، أو نغزو استراليا، ولم نطمح أن نتوسع جغرافياً على حساب غيرنا، بل كنا المستهدفين بالغزو والتدمير والاحتلال وممارسة أساليب عنصرية خرجت مع وسائل الإعلام الغربية والأمريكية والتي صورتنا بأبشع المخلوقات وحاولت أن تمسخ تاريخنا وحضارتنا وتصورنا كوحوش ضارية ترفض أن تندمج مع العالم بل تعاديه، وحتى نبينا العظيم ومقدساتنا وضعا على لائحة الاتهام والحروب المقدسة لتطهير الأرض منا..
لم نشهد من يحتلنا ويطلق النار علينا إلا الغرب وأمريكا، ولم نعرف من سرق أموالنا وآثارنا ومنجزات حضارتنا وثقافتنا من مخطوطات نادرة، إلا أصحاب القارتين، ومع ذلك نعترف ونشهد غيرنا على هذا الاعتراف أنهم أعطوا أعظم حضارة معاصرة لكل البشرية وأنهم قدموا الدواء والغذاء، والمنجزات العلمية التي قهرت كل الظروف، لكنهم، بالمقابل، صنعوا الأسلحة البيولوجية والنووية، واحتكار الغذاء ولا يزالون يحفزون أجيالهم على تدمير الآخر، باعتبارهم الخلاصة النادرة للبشرية، وتصنيف الشعوب بمقادير ما تعلنه فلسفة التفوق، ونحن، بنظرهم مجرد وعاء للنفط وفائض بشري، وجغرافيا تغري بالغزو وتجريب الأسلحة، ومع ذلك نريد أن نخرج من هذه الأنفاق بالتعايش السلمي..