"هنري مور والأسطورة" عنوان المعرض الذي يقام حالياً في متحف "بورديل" في باريس ويحتوي على مجموعة رسوم ومنحوتات جيء بها من مجموعات عامّة وخاصّة من العالم أجمع، وهي تكشف عن العلاقة التي أقامها النحات الإنكليزي مع الأساطير القديمة ومع الفن الإغريقي. أما الرسوم المعروضة فهي تستوحي "الأوذيسة" لهوميروس و"بروميثيوس" لأسخيلوس. وقد أنجز الفنان هذين العملين أثناء الحرب العالمية الثانية، كما أنجز عدداً من الرسوم داخل الميترو اللندني الذي تحوّل إلى ملجأ أثناء الحرب. وليست العودة إلى الأساطير القديمة والتي شاركه فيها عدد من الفنانين الغربيين في فترة ما بين الحربين العالميتين إلا من باب البحث عن إنسانية جديدة.
المنحوتات البرونزية التي يحتويها المعرض تغطّي مرحلة ممتدة بين الخمسينيات والثمانينيات من القرن العشرين، ولئن كانت هذه الأعمال وفيّة للشكل الإنساني فإنها تفتح هذا الشكل على أبعاد مستحدَثة بعد أن تنهل من الفنون القديمة، بل وتعرف كيف تنهل منها. إنه المعرض الثاني لهنري مور في العاصمة الفرنسية ويشكّل فرصة للتعرّف على أحد أبرز وجوه النحت الحديث في العالم. المعرض الأول كان في العام 1993حيث توزّعت أعمال الفنان النحتية في حديقة "باغاتيل". منحوتات ضخمة من البرونز شكلت على مدى أشهر امتداداً طبيعياً لسحر المكان، بمساحاته الخضراء الواسعة وبمساكب وروده التي تتميز بها تلك الحديقة الباريسية الرائعة.
هناك، في المعرض المقام حالياً، لحظة قوية تتمثل في فيلم وثائقي (مدته ساعة كاملة) بعنوان "فنّ هنري مور" ويتضمن أبرز المواقف التي تختصر فلسفة الفنان حول الفن وعلاقته بالطبيعة والحياة. يفاجئ مور بحديثه الذي يقدّم صورة مختزلة عن تجربته ويختصر، إلى حد كبير، التوجهات الفنية التي حكمت مساره الفني، ويبدي جزءاً من الكثافة التعبيرية التي تطالعنا في منحوتاته وفي القوة الكامنة داخلها، على غرار ما يتحرّك داخل الأجسام والكُتَل النحتية الكبيرة الآتية إلينا من زمن الفراعنة، وكان الفنان رأى نماذج منها لأول مرّة في المتحف البريطاني، مضافاً إليها، هنا، الانفتاح على فنون بعض الحضارات الأخرى ومنها الفنّ ما قبل الكولومبي والفن الأتروريّ (إيتروسك) والفن الإفريقي.
وإذا كان لكل نحات منطلقاته الجوهرية الناتجة عن تجربته ومعايناته القوانين الطبيعية وعن النقد الذي تمليه عليه أعماله، نقد الآخرين له ونقده هو لنفسه، فإنّ لهنري مور أيضاً خصائص استحوذت على اهتمامه وبلورت النتاج الذي توصل إليه. من هذه الخصائص طريقة تعامله مع المواد المستعملة في النحت. فلكل مادة طبيعتها وقوامها، وثمة علاقة بين النحات والمواد التي يستعملها، لأن هذه المواد هي التي تساعده على صوغ تصوراته وتجسيدها. يدرك الفنان أنّ الحجر، مثلاً، صلب وكثيف وينبغي ألاّ ننزع عنه طابع الصلابة والرسوخ وألاّ نعمل على تطويعه إلى درجة تجعل منه مادة لينة ورخوة فيبتعد عن منطقه الخاصّ. من هنا يشكّل فهم الفنان لمواده ومعرفة حدودها وإمكاناتها وطريقته في التعامل معها شروطاً أساسية من شروط العمل الفني.
الخاصية الثانية تتمثّل في التركيز على الأبعاد الثلاثة. عندما يفرغ النحات من إنجاز منحوتة جديدة، تتخذ هذه الأخيرة شكلاً واقعياً داخل فضاء محدد. هكذا تتحوّل الكتلة الجامدة إلى عمل فني له وجوده الخاص وله شكله القائم بذاته داخل المحيط العام الذي ينوجد داخله.
أما الخاصية الثالثة فتطالعنا في مراقبة الأجسام الطبيعية، ذلك أن مراقبة الأجسام التي في الطبيعة تشكل جزءاً من حياة الفنان، فهي تغذي معرفته بالأشكال وتحافظ على حيويته وتمد وحيه بعناصر جديدة. يتحدث هنري مور مطولاً عن أشكال الصخور والأحجار ويلاحظ كيف أن الطبيعة تعمل على صقل الحجر ومنحه أشكالاً متنوعة. كذلك الأمر بالنسبة إلى الأصداف الرائعة والمتينة في تكوينها على الرغم من التجاويف التي تتألف منها. ويلتفت إلى جذوع الأشجار وما فيها من قوّة تشابك وسهولة انتقال من شكل إلى آخر وهي تمنح الفنان مثالاً للنحت على الخشب في حركته التصاعدية. وهكذا فإنّ في الطبيعة عدداً لانهائياً من الأشكال والأحجام والإيقاعات المختلفة التي يمكن الفنان أن يغرف منها ويثري تجربته المتعلقة بمعرفة الشكل.
في الزمن الحالي، لا يغيب المعنى الذي أكسبته التقنيات الحديثة للعمل الفني، فبعض الوسائل (كالمِقراب والمسبار) توسّع حقل الممكنات وتساعد على تقديم رؤية مكبّرة للعناصر. إلى جانب هذا المنحى الشكلي لرؤية العمل الفني، هناك أيضاً المنحى الحسي والحدسي المرتبط برؤية الفنان وطريقة تعبيره وأسلوبه، أي العنصر النفسي، الجمالي والإنساني، وهذه خاصية شديدة الأهمية أيضاً، تضاف إليها قوة التعبير التي تتجلى بإعطاء العمل الفني حيويته وخصوصيته وحياته المستقلة. إنها نظرة هنري مور الخاصة إلى مفهوم الجمال، وهو يعتبر أن هدفه ليس الجمال بالمعنى الذي عرفناه في المرحلة الإغريقية المتأخرة أو في مرحلة عصر النهضة. فبين الجمال في التعبير وقوة التعبير هناك اختلاف فعلي. الأولى تسعى إلى دغدغة الحواس، بينما الثانية فترتكز على قوة داخلية أكثر أهمية وأكثر عمقاً مما تقدمه الحواس. وهكذا فإنّ وظيفة العمل الفني لا تكمن في نقل الواقع وإعادة ابتكار أشكاله، وإنما في الدخول في أعماقه. العمل الفني، بهذا المعنى، ليس طريقة لتزيين الحياة بل هو التعبير عن معنى الحياة نفسها.
يتحدث هنري مور عن اللحظة الواعية واللحظة غير الواعية في العمل الفني. يقول إنّ الفنان عندما ينكبّ على إنتاج عمل فني ما، ينخرط بكليته في العمل، وهنا يحضر الجانب اللاواعي، أما اللحظة الواعية من شخصيته فهي التي تساعده على "معالجة المشاكل المطروحة وتوجيه الذكريات وتجنيبه الركض في اتجاهين متعاكسين في آن واحد".
في تأريخه لتلقّي العمل الفنّي، يعتبر هنري مور أنّ النظر يحتاج إلى وقت وإلى تعلّم. كذلك الأمر بالنسبة إلى التقاط صورة الألوان والأحجام. ويأخذ، مثالاً على ذلك، الطفل الذي يبدأ بتعلّم الرؤية وكيف أنه لا يميز في البداية الأشكال إلاّ انطلاقاً من بعدَين اثنَين فقط، وكيف يعجز عن الحكم على المسافات، ويصعب عليه تقدير العمق، عمق الأشياء المرئيّة. في وقت لاحق، وبغية القدرة على التفاعل مع محيطه، يضطرّ عبر حواسه الخمس أن يوسّع طاقاته للحكم بصورة تقريبية على المسافات الثلاثية الأبعاد. وعندما تكتمل هذه الجهوزيّة التي من شأنها تسهيل ضرورات الحياة اليومية، قلّة من الناس تسعى إلى الذهاب أبعد من ذلك، أي أنّ الغالبية لا تبذل الجهد اللازم على المستويين الثقافي والعاطفي والذي يتطلّبه فهم الشكل في وجوده داخل فضاء معيّن. أما الفنان فينطلق من
هذه الضرورة بالذات مخترقاً، عبر رؤيته وتمثله لها، الأشكال والأحجام مهما كانت كبيرة، كأنما يمسك بها في قبضة يده. لذا فهو يتمكن من التعرف على الأشكال الأكثر تركيباً وتعقيداً، وعلى تداخلها في ما بينها.
وهنا تقتضي الملاحظة أنّ فنّ النحت الأوروبي، ومنذ العصر القوطي، اعتلاه الغبار ودخل في فوضى كبيرة حجبت الشكل المنزَّه، إلى أن جاء النحات برانكوزي الذي نفض طبقات الغبار المتراكمة فوق النحت الأوروبي ودفع في اتجاه وعي حادّ للشكل. ولقد أنجز أعمالاً تقوم على الشكل البسيط، المصقول، الذي يذهب إلى معانقة الشكل بدون مواربة. هكذا تبدو تجربة برنكوزي متفرّدة وتكسب معناها العميق بصفتها لحظة تاريخية مهمة في تطوّر فن النحت المعاصر.
من جهته، عمل هنري مور على إنجاز الشكل المنسجم مع الفضاء الخارجي. وتبدو أعماله (صغيرة كانت أم كبيرة)، حين الإفراغ منها، كأنها جزء من هذا الفضاء، وكأنها ولدت معه في آن واحد. بعض منحوتاته الصغيرة التي لا يتجاوز علوّها بضعة سنتيمترات تعطي الانطباع بأنها ضخمة، عالية، عظيمة التكوين. ولئن كان يركز على الوجه الإنساني في عمله، فإن الأشكال الموجودة في الطبيعة: الأصداف والعظام والصخور والحصى وجذوع الأشجار كانت، كما سبق أن ذكرنا، تستهويه وتسترعي انتباهه، وكان يتأمل في صياغاتها الكثيرة المتعددة.
أما عن معنى الأشكال التي يشي ظاهرها بالتجريد، فتحيلنا على مرجعيات مختلفة ترتبط بالتاريخ الإنساني نفسه، منذ أقدم العصور حتى أيامنا هذه، فالأشكال المستديرة تحيل على الخصوبة والنضج، بما أنّ الأرض نفسها
مستديرة، ومعها الكثير من الثمار. هذه الأشكال لها حضور في اللاوعي الجماعي، وهي أساسية في العمل الفني بقدر ما تمنحه حضوراً وحيوية. ولا يعني مور أن يقدم منحوتة تحكي وتروي وتمثل العالم الخارجي، بل ان ما يعنيه فعلاً هو ما يرشح به العالم وكيف ينعكس في ذهنية الفنان وأحاسيسه، وفي هذا المجال يشكل البعد النفسي عاملاً مفصلياً في تحقيق فعل النحت.
لقد التفت هنري مور أيضاً إلى "الفنون البدائية" في مراحلها وجغرافياتها المختلفة. صفة "البدائية" هنا لا تعني، بأي حال من الأحوال، الفن في لحظات تكوّنه الأولى، أي الفن المبتدئ، المتردد والذي لا يزال يتلمّس طريقه. الفنّ البدائي هو غير ذلك تماماً. والأثر الذي تركه على الفنانين المعاصرين كان حاسماً. فهو يتميز ببساطته ويصدر عن أحاسيس مباشرة وقوية. وبساطته لا تشبه البساطة الجوفاء التي تغلب على قسم كبير من نتاجات الفن الحديث. بساطته حقيقية، والبساطة الحقيقية، كالجمال، فضيلة طبيعيّة.
من النقاط المشتركة في معظم الفنون البدائية تلك الكثافة المعبّرة. لقد حاول الفنان الأول أن يقدم إجابات مباشرة وفورية حيال الحياة. بالنسبة إليه، لا يقوم النحت، أو أي شكل آخر من أشكال الفن، على حسابات أكاديمية، لأنه ينظر إلى الفن بوصفه طريقاً للتعبير عن معتقدات وأحلام وآمال، وعن أشكال من الخوف العميق. إنه الفن في صورته الأولى، أي قبل أن يهدده التزيين الخارجي، وقبل أن يسقط الوحي في بهرجة التقنيات والادعاءات الثقافية. ومن هنا كونيّته التي يتجاوز عبرها حدود الزمان والمكان.
إنّ الاهتمام المتزايد بالفن البدائي مسألة شديدة الأهمية. لقد بدأ هذا الاهتمام فعلياً أواخر الخمسينيات من القرن الماضي مع السورياليين، وكذلك مع عدد من الفنانين الطليعيين ومن بينهم بيكاسو وبراك وماتيس وجياكوميتي وبول كلي... من هنا نفهم كيف أن هنري مور تغذى بصرياً من خلال زياراته المتكررة للمتحف البريطاني حيث طالعته الفنون السومرية والفرعونية والفنون الإفريقية وما قبل الكولومبية، ومن هذه الأخيرة استوحى الأشكال المستلقية (وهي كثيرة في نتاجه وتتمثل بالأخص في المنحوتات التي تمثّل نساء مستلقيات)، كما استوحى القوة الداخلية من الفن الفرعوني.
ما لفت أيضاً انتباه هنري مور في الفن البدائي هو الوفاء للمواد التي كان يستعملها الفنان القديم وكيف أنّ هذا الفنان كان يبدي ذكاء غريزياً فطرياً للمادة التي يستعملها، وهذا ما ظهر في دقّة استعمالها وفي استغلال إمكاناتها إلى أقصى حد ممكن. وإذا كان الفن البدائي يقدّم منجماً من المعلومات للمؤرخ ولعالم الاجتماع، فإنّ بعض الفنانين المحدثين تمكنوا من استيعاب هذا الفن وتقديره ورؤيته بعين جديدة. صحيح أنّ دراسة تاريخ الشعوب البدائية تساعد على فهم الظروف التي نشأ ضمنها هذا الفن لكنها غير كافية. إنّ انتباه العين
في علاقتها المباشرة مع العمل الفني هو الأساس. فالأعمال الفنية لها حيواتها الخاصة ولها ديمومتها، وتنفصل عن اللحظة التي تولد فيها، ولهذا فهي تحتفظ حتى اليوم، لدى الذي يتمتعون بحساسية فنية رهيفة وانفتاح كبير على الثقافات، بمعناها النحتي الكامل تماماً كما كانت لحظة الانتهاء من صوغها.
هناك مسألة أخرى يتطرق إليها هنري مور في الفيلم الوثائقي وتتمحور حول العلاقة بين الهندسة والنحت. الاثنان يتعاطيان مع الكتلة ويقومان على العلاقة الجمالية بين الأحجام والكُتَل. لكن عملياً، الهندسة ليست تعبيراً صافياً كالنحت، لأنّ هدفها النفعي الوظيفي يحدّ من اندفاعها داخل الفنّ الصافي.
ثمة نتاجات هندسية تحاول أن تجمع بين الهندسة النفعية من جهة، وبين النحت الصافي من جهة ثانية، وهذا ما يطالعنا بالأخص في صرح "الغراند أرش" في منطقة "الديفانس" المحاذية لباريس. وينتمي هذا الصرح إلى قلّة من الإنجازات الهندسية التي عرفت كيف توفّق بين الهندسة والنحت. ولقد كانت هذه المواءمة، كما هو معروف، هاجساً عند فناني عصر النهضة الإيطالية لا سيما عند ليوناردو دافنشي.
لا بدّ من الإشارة أخيراً إلى أنّ الوعي النقدي الذي يمتلكه هنري مور مشفوعاً بموهبة فنية كبيرة يفسر الخطوة المتقدمة التي خطاها الفنان في مجال الرسم والنحت، كما يسوّغ الموقع الذي يحتله كأحد أبرز النحاتين في القرن العشرين.